من مقاصدية قول الإمام علي عليه السلام لمعاوية : «ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمالة الحطب». الحلقة السادسة: هل أراد النبي صلى الله عليه وآله بيان مقام السيادة للنساء أم مقام العوالم؟

مقالات وبحوث

من مقاصدية قول الإمام علي عليه السلام لمعاوية : «ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمالة الحطب». الحلقة السادسة: هل أراد النبي صلى الله عليه وآله بيان مقام السيادة للنساء أم مقام العوالم؟

297 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 19-05-2022

بقلم : السيد نبيل الحسني.

من الأحاديث النبوية الشريفة في بيان مقاصدية قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لمعاوية:
«ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمالة الحطب».
أنه أراد بذلك بيان منزلة خديجة عليها السلام عبر النصوص النبوية المتضافرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم في تحديد السيادة لمريم وآسية ، وخديجة ، وفاطمة (عليهن السلام) كلاً حسب عالمها.

فقد روى الطبري ، والزرندي الحنفي، والمتقي الهندي وغيرهم عن عبد الله بن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
«أربع نسوة سادات عالمهن مريم بنت عمران، وآسية ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] ، وأفضلهن عالما فاطمة»[1].
والحديث الشريف يرشد إلى جملة من الدلالات في بيان مقاصدية منتج النص عليه السلام ، فمنها:

1- إنّ الحديث واضح الدلالة في انحصار السيادة في الأزمنة لهؤلاء النسوة ، إلا أن أفضل هذه العوالم هو العالم الذي كانت فيه فاطمة (عليها السلام).
2- إنّ الحديث يجعل السيادة غير منحصرة في مريم (عليها السلام) على العالمين وإنما في عالمها.
3- في بيان مقام فاطمة (عليها السلام) فأن الحديث يحتمل وجهين، الأول: أنه أراد السيادة ، أي سيادة النسوة وليس العوالم كما أخرجه المصنّفون للحديث النبوي، بدليل:
أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان يتحدث عن السيادة لهؤلاء النسوة وإنها منحصرة فيهن ؛ ولذا لم يتحدث عن غيرهن، ولو كان حديثه منحصراً في العوالم لأصبح لكل زمن امرأة تسوده في الفضل على باقي النسوة ، وهذا يستلزم الدور في كل زمان إلى قيام الساعة ، في حين كل الأحاديث تجمع على أنحصار السيادة والخيرّية والأفضلية بهؤلاء النسوة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:
«خير نسائها مريم ابنة عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد»[2].

وعليه:
يكون الحديث بالنظر إلى الأحاديث الصحيحة السابقة أن أفضلهن فاطمة صلوات الله عليها ، وليس أن عالمها هو أفضل العوالم لأنحصار مقام السيدّية والخيرّية والأفضلية بهؤلاء النسوة.

والوجه الآخر: هو حمل الحديث على العوالم فيكون الأنحصار بهذه العوالم فقط ، أي لا يكون هناك عالم آخر تظهر فيه امرأة تصل إلى ما وصلت إليه مريم وآسية وخديجة وفاطمة(عليهن السلام).
أما اختصاص عالم فاطمة عليها السلام ، أي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«وأفضلهن عالما فاطمة»[3].

فلأنها أدركت نصف مرحلة البعثة وجميع مرحلة الهجرة مع ما ابتليت به من فقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أي إنها عاشت أفضل العوالم التي خلقها الله تعالى وهو عالم النبوة المحمدية ، وأدركت ما لم تدركه أمها خديجة (عليهما السلام) من الهجرة والجهاد بين يدي رسوله الله (صلى الله عليه وآله ) ودفاعها عن الإمامة واظهارها لعقيدة التولي والتبري في غضبها وهجرها لمن ناصبها وأهل بيتها العداء، وبهذا كان عالمها أفضل العوالم.

وبحمل الوجه الأول على الثاني يكون الحديث محمولاً على الدلالة الآتية:
أربع نسوة سادات عالمهن، مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأفضلهن سيادة وعالماً فاطمة عليها السلام.

بدلالة قوله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أخرجه الحاكم في مستدركه على الصحيحين ،  وأبو داود في سننه ، والنسائي في سننه ، وغيرهم عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة: (إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال وهو في مرضه الذي توفي فيه:
«يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين ، وسيدة نساء هذه الامة، وسيدة نساء المؤمنين»[4].
واتبعه الحاكم بقوله: (وهذا إسناد صحيح ولم يخرجاه) ؟!!!.
أذن: نستخلص من ذلك إنّ قصدية منتج النص (عليه السلام) في قوله:
«ومنا خير نساء العالمين»
هي خديجة (عليها السلام)، بمقتضى العالم الذي سادته ، وهو نفسه العالم الذي مثلّت فيه (حمالة الحطب) ، أي عمة معاوية بن أبي سفيان وزوجة أبي لهب أدنى مراتبه وأكثرها شرّية ، وهو ما دلَّ عليه الحديث النبوي في بيانه لسيادة هؤلاء النسوة في عوالمهنَّ ، وأن أفضل هذه العوالم هو عالم بضعة النبوة وصفوة الرسالة. صلوات الله وسلامه عليها وعلى أمها وأبيها وبعلها وبنيها).

أما كيف تلقى معاوية هذه الرسالة وما تأثيرها عليه وعلى قراء أهل الشام ، فضلا عن تفاعل ابن أبي الحديد المعتزلي ، وحبيب الله الخوئي (رحمه الله) ، فهو ما سنتناوله في المقالات القادمة ضمن معيار مقبولية النص لدى المتلقي[5].

الهوامش:
[1] ذخائر العقبى لأحمد بن عبد الله الطبري: ص44؛ نظم درر السمطين للزرندي: ص178؛ كنز العمال للمتقي الهندي: ج12، ص145؛ الدر المنثور للسيوطي: ج2، ص23؛ تفسير الآلوسي: ج3، ص155.
[2] صحيح البخاري: ج4، ص138؛ صحيح مسلم: ج7، ص132.
[3] ذخائر العقبى لأحمد بن عبد الله الطبري: ص44؛ نظم درر السمطين للزرندي: ص178؛ كنز العمال للمتقي الهندي: ج12، ص145؛ الدر المنثور للسيوطي: ج2، ص23؛ تفسير الآلوسي: ج3، ص155.
[4] المستدرك للحاكم النيسابوري: ج3، ص156؛ مسند أبي داود الطيالسي: ص197؛ السنن الكبرى للنسائي: ج4، ص25 و ج5، ص147؛ الذرية الطاهرة للدولابي: ص142؛ فضائل سيدة النساء لابن شاهين: ص25؛ الاستيعاب لابن عبد البر: ج4، ص1895.
[5] لمزيد من الإطلاع ينظر : فاطمة في نهج البلاغة ، السيد نبيل الحسني ج5 ص171-174

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1669 Seconds