افرازات منهجيات الجرح والتعديل على رواية الفضائل الحلقة الثانية: عزوف رواة اهل السنة ومدونيها عن الرواية العراقية.

مقالات وبحوث

افرازات منهجيات الجرح والتعديل على رواية الفضائل الحلقة الثانية: عزوف رواة اهل السنة ومدونيها عن الرواية العراقية.

352 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 31-07-2022

بقلم: أ. د. ختام راهي الحسناوي

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير الأنام ابي القاسم محمد وعلى آله الهداة الاخيار.

 

أما بعد:

لقد ترتب على تكذيب وتوهين رواة الشيعة رد رواياتهم في الفضائل كما عرفنا، وهذه النتيجة تفرعت إلى نتيجة أخرى هي عزوف رواة السُّنة النبوية الرسميين ومدونيها عن اعتماد الرواية العراقية–والكوفية خاصة–إذ تقرر ((أن منابع الرواية النبوية الصحيحة هي الشام والمدينة والبصرة وأما الكوفة أو العراق فلا، لأن فيها الموت الزؤام، فيها شيعة علي، ومعتدلوا العقيدة من أهل السُّنة))[1].

ومن نماذج هذا العزوف الرسمي قول الأوزاعي (ت157هـ/773م): ((كانت الخلفاء بالشام فإذا كانت ثلاثة سألوا عنها علماء أهل الشام، وأهل المدينة، وكانت أحاديث العراق لا تُجاوز جُدر بيوتهم))[2] فإذا كان هذا الغرس في العصر الأموي، فقد استوى على ساقه في العصر العباسي، عندما طلب المنصور من مالك بن أنس (ت179هـ/795م)–المدون الرسمي للسُّنة في العصر العباسي–أن لا يقبل من أحاديث أهل العراق شيئاً كما في هذا النص، قال مالك: ((يا أمير المؤمنين أن لأهل هذه البلاد قولاً، ولأهل المدينة قولاً، ولأهل العراق قولاً تعدوا فيه طورهم، فقال [المنصور]: أما أهل العراق فلست أقبل منهم صرفاً ولا عدلاً، وإنما العلم علم أهل المدينة فضع للناس العلم... وفي رواية فقلت له [أي مالكاً]: أن أهل العراق لا يرضون علمنا. فقال المنصور: يُضرب عامتهم بالسيف، وتقطع ظهورهم بالسياط))[3].

وما ذلك إلاّ لأن أهل العراق هم (المفتونين)[4]–كما يعبرون–بأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فإذا كانت رواياتهم تصدر عن هذا المعين لم يعد عجباً هذا النكول عنها، لأنها ستتضمن–بلا شك–فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ومناقبه.

وقد انسجم العزوف العلمائي عن أحاديث أهل العراق مع هذا العزوف الرسمي، فقد قال ابن المبارك (ت181هـ/797م): ((ما دخلت الشام إلاّ لأستغني عن أحاديث أهل الكوفة))[5] وقال الشافعي (204هـ/819م): ((كل حديث جاء من العراق وليس له أصل في الحجاز فلا تقبله وإن كان صحيحاً))[6]!!!.

لماذا لا يقبل الشافعي الحديث النبوي الصحيح إن جاء من أهل العراق؟!!

لعلنا سنجد الجواب إذا دققنا في النص الذي ينقل عن الإمام البزار (ت292هـ/904م) إذ قال في مسنده وهو بصدد ذكر حديث سد الباب[7]: قد ورد في روايات أهل الكوفة بأسانيد حسان في قصة علي وورد في روايات أهل المدينة في قصة أبي بكر[8].

فالرواية الكوفية التي تذكر مناقب أمير المؤمنين بأسانيد حسان لا تُقبل، والرواية التي تقلب تلك المناقب وتنقلها إلى سواه هي التي تُعتمد، ففي طريق التضارب هذا كم سيبقى من مناقب أمير المؤمنين وفضائله مما رضيت به المدرسة الحجازية؟!!.

لا شك أنه سيكون ضئيلاً بعد إعمال أسلحة التجريح والتضعيف لرواة العراق من جهة، ورَدّ الأحاديث الصحيحة ومقابلتها بأحاديث موضوعة من جهة أخرى، وسنكتفي بهذا النموذج الذي غلب عليه التمذهب في الجرح والتعديل الذي طال رواة الرواية العراقية، قال ابن حجر: إن ممن ينبغي: ((أن يتوقف في قبول قوله في الجرح من كان بينه وبين مَنْ جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب، وذلك لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع فتراه لا يتوقف في جرح مَن ذكره منهم بلسان ذلقة وعبارة طلقة حتى أنه أخذ يُليّن مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية..))[9].

وتبدو خطورة ما قال به الجوزجاني (ت259هـ/872م) من تجريح رواة أهل الكوفة إذا ما عرفنا أنه أحد أئمة الجرح والتعديل المعتمدين، ووصف بالحافظ الثقة[10]، وأنه ممن كان يكاتبه أحمد بن حنبل (ت241هـ/855م) فيتقوى بكتابته[11]!! وهذا مما يزكي طعوناته في الرواة الكوفيين بنظر المدرسة التي ينتمي إليها)[12].

الهوامش:
[1] الحلي، سنة الرسول المصطفى، ص476.
[2] ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، 1/242.
[3] القاضي عياض، ترتيب المدارك، 1/192؛ وينظر باختلاف يسير: ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، 2/193 و ص202.
[4] روي عن هشام بن عبد الملك أنه حجّ فرأى الناس حول الإمام محمد الباقر بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، فقال: [ذاك] المفتون به أهل العراق. الذهبي، سير أعلام، 4/147.
[5] ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، 1/243.
[6] الذهبي، سير أعلام، 7/210. وينظر في أقوال آخرين من أهل العلم في تزكية مدرسة الحجاز وترك رواية أهل العراق، عن سفيان بن عيينة (ت198هـ/813م): ((من أراد الإسناد والحديث الذي يُسكن إليه فعليه بأهل المدينة... ومن أراد شيئاً لا يعرف حقه من باطله فعليه بأهل العراق)). ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، 1/242.
[7] ورد حديث سد الباب بروايات كثيرة للإمام علي (عليه السلام) وهو مما رواه أحمد بن حنبل قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عوف، عن أبي عبد الله، عن زيد بن أرقم، قال: كان لنفرٍ من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم أبوابٌ شارعة في المسجد، فقال يوماً: ((سُدوا هذه الأبواب إلاّ باب علي))، قال: فتكلم في ذلك أُناس. قال: فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد! فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي بن أبي طالب، فقال فيه قائلكم، وإني والله ما سددت شيئاً ولا فتحته، ولكني أُمرت بشيء فاتّبعتُه)).فضائل أمير المؤمنين، ص176–177، ورواه النسائي، في الخصائص بأسانيد مختلفة، ص72–79، ورواه الحاكم النيسابوري في المستدرك، 3/338، ووافقه الذهبي في التلخيص وقال: ((صحيح))، هامش المستدرك، 3/338، وأخرجه كثير من الحفاظ ممن جمعوا فضائل الإمام علي (عليه السلام) مما يضيق المجال بذكرهم حتى لا يكاد يخلو كتاب مناقب أو فضائل من ذكره. وقال السيوطي: ((قد ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة المتواترة أنه صلّى الله عليه وسلم منع من فتح باب شارع إلى مسجده، ولم يأذن في ذلك لأحد ولا لعمه العباس، ولا لأبي بكر، إلاّ لعليّ)). شد الأثواب في سد الأبواب، 2/12.
وقد ورد هذا الحديث عند البخاري ومسلم والترمذي لأبي بكر:
- ورد لدى البخاري: حدثني عبد الله بن محمد: حدثنا أبو عامر: حدثنا فليح قال: حدثني سالم أبو النضر عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((... لا يبقين في المسجد باب إلاّ سُدَّ إلاّ باب أبي بكر)) الصحيح، ص649.
- وورد عند مسلم: عن عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد حدثنا معن، حدثنا مالك عن أبي النضر عن عبيد بن حنين عن أبي سعيد، ((... لا تبقين في المسجد خوخةٌ إلاّ خوخةَ أبي بكر)). الصحيح، ص1034.
- وعن الزهري عن عروة عن عائشة ان النبي (صلى الله عليه وآله) أمر بسد الأبواب إلاّ باب أبي بكر، الترمذي، السنن، ص970.
[8] السيوطي، اللآلي المصنوعة، 1/319. وينظر رأي ابن الجوزي في حديث سد الباب: الذي يرى أنه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث المتفق على صحته في أبي بكر: ((سدوا الأبواب إلاّ باب أبي بكر)). الموضوعات، 1/274.
ويُجاب عليه بجواب الشيخ الأميني الذي أجاب به ابن تيمية الذي كرر التهمة ذاتها، إذ قال: ((لا أجد لنسبة وضع هذا الحديث إلى الشيعة إلاّ القحّة والصلف، ودفع الحقائق الثابتة بالجلبة والسخب، فإن نصب عينيّ الرجل كتب الأئمة من قومه وفيها مسند إمام مذهبه أحمد قد أخرجوه فيها بأسانيد جمّة صحاح وحسان، عن جمع من الصحابة تربو عدتهم على عدد مايحصل به التواتر عندهم...)) إلى آخر ما ذكره الأميني من حجج دامغة لا يعاندها إلاّ مُكابر أو حانق مغفل. ينظر: موسوعة الغدير، 3/285–304.
[9] لسان الميزان، 1/16.
[10] الذهبي، ميزان الاعتدال، 1/205 بل ووصف بأنه لا يكذب.
[11] المصدر نفسه، 1/205.
[12] لمزيد من الاطلاع ينظر: رواية فضائل الإمام علي عليه السلام والعوامل المؤثرة فيها (المراحل والتحديات)، الدكتورة ختام راهي الحسناوي، ص 142-146.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1967 Seconds