من الفكر السياسي عند الإمام علي عليه السلام منهجه في التعامل مع قريش. الحلقة الرابعة: شكوى الإمام علي عليه السلام من قريش

مقالات وبحوث

من الفكر السياسي عند الإمام علي عليه السلام منهجه في التعامل مع قريش. الحلقة الرابعة: شكوى الإمام علي عليه السلام من قريش

509 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 27-11-2022

بقلم: د. جليل منصور العريَّض – الجامعة الأولى/ تونس

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

وبعد:
لقد كانت شكوى علي عليه السلام من تألب قريش عليه وعلى حكومته ممضة ومؤلمة، فهي قد أضمرت لرسول الله صلى الله عليه وآله  «ضروبا من الشر والغدر»[1]، فلما لم تتمكن من إصابته بشر ودخلت الإسلام مرغمة، صبت جام حقدها على آل بيته عليهم السلام في الوقت الذي كانت تتخذ من اسمه صلى الله عليه وآله «ذريعة إلى الرياسة، وسلماً إلى العز والإمرة»[2]، ولولا حصولهم على تلك الامتيازات لما «عبدوا الله بعد موته يوماً واحداً ولارتدت في حاضرتها»[3]. فمباهاة قريش بالإنتماء إلى النبي صلى الله عليه وآله وتصريحهم بحبه في الملأ، ما هو ـ في رأي علي عليه السلام ـ الا طلاء خارجي ليحققوا الثراء في الوقت الذي يطؤون فيه رقاب آل بيته عليهم السلام ويحاولون اخماد ذكرهم[4].

لذلك كان اصرار علي عليه السلام على مواجهتهم والحد من اطماعهم ووضعهم في المنزلة التي أرادها الإسلام لهم، فقريش الامس ـ من وجهة نظر علي عليه السلام ـ هي قريش اليوم، لم تتغير الا من حيث المظهر الخارجي، فالحمية الجاهلية مازالت مستكنة في نفوسهم لم يهذبها الإسلام، يقول لأخيه عقيل الذي اخبره بتسلل القرشيين من المدينة إلى معاوية تهافتاً على المادة «قد اجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله قبلي»[5]، إذ يفهم من القول السابق أن علياً عليه السلام يرى المبرر قوياً لقتال قريش، غير آبه بما يقال فيهم، وما يدعونه لأنفسهم من قرابة وصحبة، لا تخولهم امتلاك رقاب الناس، فإذا ما أرادوا فرض إرادتهم بالقوة، فإن القوة هي العلاج للحد من غلوائهم، يقول في إحدى خطبه عند خروجه لملاقاة أصحاب الجمل «مالي ولقريش، والله لقد قاتلتهم كافرين، ولأقاتلنهم مفتونين»[6].

فقتاله لهم هو من أجل «استقامتهم على الدين ورجوعهم إلى الحق، عند الضلال»[7]. فقريش كما يراه علي عليه السلام تقيس الحق بما يتلاءم ومصلحة ابنائهما، لذلك حالت بينه وبين حقه محاولة اكراهه على النزول عند رغبتها بتصرفها في حقه في الخلافة كما تشاء، كما في قوله «اللهم إني استعديك بك على قريش ومن اعانهم، فانهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي، ثم قالوا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تتركه»[8]. ويجدر بنا أن نقف عند مفهوم الحق في هذا الموضوع الذي يرمي علي عليه السلام إليه، فابن أبي الحديد يخرج معنى الحق في المقولة على تأويل الافضلية لأن «جملة الاستحقاق بالنص تكفير أو تفسيق لوجوه المهاجرين والأنصار»[9]. لكن الذي نفهمه نحن من القول بأن في السياق بعني الخصوصية التي لا يمكن تأويلها على أساس الأفضلية لأنه لو كان يقصد الأفضلية لذاتها لقال: أنا أفضلهم أو أنا أقربهم، أو أنا حقهم بالأفضلية مما يعني ان الحق مطلقا دون الإضافة ـ كما نفهمه ـ يعني الاختصاص بالأمرة دون غيره بدلالة قوله في السياق «أجمعوا منازعتي أمراً هو لي» لما فيه من توكيد الاحقية التي لا تحتاج إلى تأويل، فالقضية هنا لا يمكن اجراؤها كما يرى ابن أبي الحديد «مجرى الآيات المتشابهات التي لا يعمل بها ابداً»[10]،لأن «المتشابه من القرآن: ان أشكل تفسيره لمشابهته بغيره، اما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى»[11]، ومقولة علي عليه السلام واضحة وجلية من ناحيتي الألفاظ والمعاني، خاصة ان علياً عليه السلام قد اتبع مقولته لمفهوم الحق عند قريش بالتصرف فيه «كما تشاء، بالأخذ والترك... وهذه شكاية ظاهرة لا تأويل فيها»[12]. إلا ان علياً عليه السلام ـ كما يبدو في النهج ـ لم يكن يحمل لقريش أية ضغينة أو حقد لأن أخلاقه الإسلامية تسمو بروحه العالية عن ذلك، وهو الداعي إلى الحب بتؤدة والبغض بتؤدة أيضاً في قوله «أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما»[13]. فعلى الرغم من مواقف قريش العدائية تجاهه وتجاه حكومته، واستماتتهم في افشال امره، لم يحابهم الا مضطراً، بعد أن نفذت جميع أسلحة التفاهم معهم[14]، يقول متألما لمصارعهم حين نظر إلى قتلاهم في وقعة الجمل «والله لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب»[15].

فمن مأثورات الإمام علي عليه السلام يمكن الاستنتاج أن المواجهة بينه وبين قريش قد ابتدأت منذ اليوم الذي انتقل فيه الرسول صلى الله عليه وآله إلى الرفيق الأعلى واستمرت حتى بلغت ذروتها إبان خلافته، حين حاول التصدي لها والحد من طموحاتها، لكنه لم يفلح في مساعيه، لأنها استطاعت أن تخلق له المشاكل ما حال بينه وبين تنفيذ سياسته ومن ثم التدبير لاغتياله بيد احد ممن خرجوا عليه من أصحابه، بعد أن أفلحت في تدبير قضية التحكيم تلك المأساة التاريخية الفظيعة، مما يعني أن قريشاً لا يمكنها أن تحقق إرادتها بالمواجهة المباشرة، لذلك كانت كثيراً ما تلجأ ـ للوصول إلى مآربها ـ بوضع يد غيرها في النار ثم تقف متفرجة لتقطف ثمرة غيرها، إلا أن الظروف المعقدة التي اختلقتها قريش لتعطيل أفكار علي عليه السلام السياسية لم تحل بينه وبين جهاده المستميت لتحقيق تلك السياسة)[16].

الهوامش:
[1] ابن أبي الحديد 20/298.
[2] ابن أبي الحديد 20/298.
[3] المصدر السابق نفسه.
[4] أثر عن علي عليه السلام قوله ضمن المأثورات التي جمعها ابن أبي الحديد 20/308 «مالنا ولقريش يخضمون الدنيا باسمنا ويطأون على رقبانا، فيا لله وللعجب، من اسم جليل لمسمى ذليل».
[5] رسائل ـ 35.
[6] خطب ـ 33.
[7] شرح ميثم 2/75.
[8] خطب 173، فقرة 2. ويذكر ابن أبي الحديد بإسناده أن مثل هذه العبارة قد تكررت من علي عليه السلام مرات عديدة.
[9] ابن أبي الحديد ـ 9/307.
[10] السابق 9/307.
[11] الراغب الأصفهاني ـ المفردات في غريب القرآن ص 373.
[12] شرح ميثم ـ3/331.
[13] حكم ـ 276.
[14] راجع ص 249 وما بعدها من هذا البحث.
[15] خطب 217.
[16] لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور خليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 292-295.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2210 Seconds