فكر الإمام علي (عليه السلام) كما يبدو في نهج البلاغة الأنواع الأدبية في النهج وخصائصها التعبيرية أ- الخطابة

مقالات وبحوث

فكر الإمام علي (عليه السلام) كما يبدو في نهج البلاغة الأنواع الأدبية في النهج وخصائصها التعبيرية أ- الخطابة

134 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 25-01-2026

بقلم: د. جليل منصور العريَّض

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

أما بعد:

تعد الخطابة في نهج البلاغة من أهم المصادر التي يعول عليها في دراسة فكر علي عليه السلام كما لاحظنا ضمن الابواب السابقة، فهي الوعاء الذي صان جانبا كبيرا من ذلك الفكر الذي صبه علي عليه السلام في قوالب تعبيرية يمكن عدّها غاية في الروعة والابداع لاعتقاده القوي بأن «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب»([1]). لذلك فقد شحذ طاقات الكلمة بإيداعها أفكار مغلفة بروحه وإحساساته، لتصل إلى مستمعه بصدق وأمانة من خلال خطبه المتناسقة في عناصرها المتنوعة في موضوعاتها، المتدفقة في عطائها.

أـ العناصر التي تتكون منها الخطبة عند علي عليه السلام:

بنى ميثم البحراني شرحه لمعظم خطب نهج البلاغة على منهج منطقي([2])، قوامه المقدمات والاقيسة والنتائج على اعتبار ان الخطابة «جزء من صناعة المنطق»([3]). وبعيدا عن تلك التعقيدات، فإن الخطبة كفن مسموع تتكون من عناصر أربعة هي: الأول: المقدمة:

وعادة ما يودع الخطيب فيها الملامح العامة للقضية التي يريد طرحها على مسامع الجماهير، ويعمد إلى إحطتها بنوع من التشويق والترقب لجذب الانتباه وشد النفوس. والمقدمة في أغلب الأحيان تكون قصيرة، مكثفة في عبارات موحية، ومشحونة بانفعالات الخطيب وحماسة لقضيته، فكلما كان تأثيرها بالغا استطاع الخطيب استقطاب انتباه المستمعين إليه، لأن العبارة إذا ما انطلقت على سجيتها، محددة لمقصد الخطيب منها ومنسجمة مع تفكيره مصوغة بانفعالاته النفسية، فإن ذلك يمنح الثراء لإيحاءاتها ويرسخ من تأثيرها في النفوس. ولو تأملنا في مقدمة الخطيب التي وردت في النهج لوجدنا انها متفقة مع موضوعاتها تما الاتفاق، وعلاوة على ذلك فإنه برغم تقادم العهد على تلك الخطب كنصوص مسموعة، الا ان النبض والحيوية ما يزالان يعملان تأثيرهما في نفس القارئ، بحيث ينتابه شعور الانفعال الذي كان الخطيب يعيشه في أثناء الأداء في محاولة منه للسيطرة على النفوس، وجذبهم نحوه ليتأتى له ابلاغ افكاره والاقناع بقضيته بشده الانتباه إليه منذ الوهلة الأولى من خلال مقدمات مقتضبة وموحية ومناسبة في آثارتها لموضوع الخطبة الخاصة بها.

فمن مقدمات خطب علي عليه السلام «اما بعد فإن المر ينزل من السماء إلى الأرض، كقطرات المطر، إلى كل نفس بما قسم الله لها من زيادة أو نقصان، فإن رأى أحدكم لأخيه، غفيرة في أهل أو مال، فلا تكونن له فتنة»([4])، فالربط في المقدمة بين كلمة (امر)، وبين صورة المطر في نزوله، كصورة محسوسة في تباينها بين الكثرة والتوسط والقلة من حيث نزوله على بقاع من الأرض دون اخرى، يوحي لا محالة ان موضوع الخطبة هو التفاوت في توزيع الله سبحانه وتعالى لأرزاق العباد، وعلاقة ذلك بتهذيب النفوس بالعمل، والرضى بما قسمه الله لكل فرد، والتعاون والتآزر بين افراد المجتمع والنأي بالنفوس عن الحقد والضغينة والحسد. فالمقدمة بسلاستها وانسياب عباراتها، هي مدخل هادئ لتهيئة نفس مطمئنة راضية تقبل التعايش مع غيرها في حب وتعاون وسلام، وهو ما كانت الخطبة ترمي إليه في موضوعها الأساسي.

إلا أن الهدوء يتلاشى ويحل مكانه الغضب المفعم بالأسى في مقدمة خطبة أخرى، حيث يقول «ما هي إلا الكوفة، أقبضها وأبسطها، إن لم تكوني إلا أنت، تهب أعاصيرك فقبحك الله»([5])، فالكلمات تكاد تنفجر بالغضب في الدعاء على أهل الكوفة بالقبح، والملاحظ ان عليا عليه السلام قد استخدم المجاز للتعبير عن تبرمه وسخطه في قوله «ما هي الا الكوفة» ويعني بذلك رجالها، ولتشخيص المعاني وبث الحياة فيها، لجأ إلى الالتفات([6]) بتحويله دفة الخطاب من الكلام عن الغائب، وتوجيه الحديث إلى المخاطب المتمثل في الكوفة بقوله «ان لم تكوني...»، والأسلوب بما ينطوي عليه من مجاز وتجسيد يوحي بعجز القائد عن التصرف بما تحت يده من سلطان واسع، الا في حدود لا تكاد تتعدى مساحتها قبضة اليد مقارنة باتساع ذلك السلطان، ويعود سبب ذلك إلى عدم تجاوب أصحابه معه وعدم اطاعتهم لأوامره.

وفي مقدمة لخطبة ثالثة يقول «الحمد لله وإن أتى الدهر بالخَطْب الفادح والحدث الجليل...»([7])، فالافتتاحية هادئة يسري الحزن في عباراتها، وتتضمن التسليم بقضاء الله وقدره في كل الاحوال، وتوحي بأن ثمة حادثة خطيرة قد وقعت، وان الخطيب يمهد لها بنفس مؤمنة مطمئنة، لتصل إلى مستمعه بهدوء بعيداً عن أي انفعال، لما تتضمنه من حض على الصبر وتمسك بعرى الإيمان تحت أي ظرف.

فللمقدمة من الدقة في تحديد الهدف، وجذب الانتباه، وشد الأسماع ما يجعلها توحي ـ للمتأمل فيها ـ بالمواقف والمناسبات التي من اجلها صيغت وذلك لصدق عباراتها، وما تنطوي عليه من ايحاءات تجسد ايمان قائلها.

ولكن المقدمة قد لا تكون ضرورية بالنسبة لعلي عليه السلام، خاصة في خطبه التي يعلم مستمعه بفحوى أفكارها. أو إذا كانت ضرورة المناسبة تقتضي الدخول في الموضوع مباشرة.

ـ الثاني: الموضوع:

وهو العنصر الاساسي للخطبة لأن بداخله يعرض الخطيب العناصر الفكرية للقضية التي يريد طرحها على مستمعه، ويستخدم لذلك وسائل اقناعية متنوعة تتناسب ومستوى المستمع الثقافي، مع صبغ تلك الأفكار بانفعالاته وإحساساته، باثا في الكلمات قبسات من روحه، فكلما كان الخطيب صادقا فيما يقوله مؤمنا به، فإن ذلك الصدق والإيمان ينعكسان على مستمعه، فيتحقق التجاوب والانسجام بين الطرفين ويؤدي ذلك بالمستمع إلى الاستجابة باقتناع وطواعية. ولا يتأتى للخطيب ذلك الا إذا تمكن من إيصال أفكاره إلى مستمعه بالتدرج المستساغ، مع ربط بين الأفكار من حيث الأسباب والنتائج وتفادي أية فجوات تحدث تشتتا، كالاستطراد، أو الاسهاب في شرح فكره على حساب أفكار أخرى، أو حتى الفتور في أساليب التوصيل والتعبير لسبب طارئ.

فمن تأملنا في موضوع تلك الخطب، نجد انها لا تطرح الموضوع بكل ثقله الفكري جملة واحدة على المستمعين، وانما تأخذ بأساليب التدرج المترابط مما يعني ان علياً عليه السلام في خطابته ـ رغم ارتجاله لها ـ لا يجعل من نفسه اسيرا لعاطفته، بل من القوة ورباطة الجأش واليقظة بحيث يجعل من عقله حكما في موازنة تلك العاطفة، مما يؤدي بالموضوع إلى الانسجام التام بين الفكر والعاطفة. فلو انعمنا النظر في خطبته المسماة «القاصعة»([8]) التي فحواها نبذ العصبية وما تنطوي عليه من اخلاق ذميمة واخطار مدمرة، وربط سياقها الموضوعي بمناسبتها، فسنجد تلاحما قويا بين عناصرها، بحيث يستعصي علينا دراستها مجزأة. فالخطبة على الرغم من طولها مترابطة العناصر، متسلسلة الأفكار، بناها علي عليه السلام على ستة عشر عنصرا متفاوتة الحجم، وذلك بعد مقدمة موجزة وموحية بفحوى الموضوع جاء في مطلعها «الحمد لله الذي لبس العز والكبرياء، واختارهما لنفسه دون خلقه، وجعلهما حمى وحرما على غيره، واصطفاها لجلاله»([9])، وقد جاء هذا التكثيف في عبارات المقدمة متفقا في معالجته لمشكلة العصبية وخطورتها ضمن العناصر التالية:

1ـ اعتبار إبليس رأس العصيان وأصل العصبية.

2ـ ابتلاء الله خلقه وامتحانه لمدى قدرتهم على مقاومة النزوات وعلاقة ذلك بالعصبية.

3ـ النتيجة المترتبة على تعزز المخلوقين وتكبرهم.

4ـ التحذير من مغبة الوقوع في حبائل الشيطان لأنه أصل العصبية وأن عصبيته وليدة حقده على الإنسان.

5ـ التحذير من التكبر والغطرسة والافساد في الأرض.

6ـ حض الناس على عدم الاستجابة للداعين إلى العصبية من زعماء السوء.

7ـ الاعتبار بما أصاب الماضين من ويلات ومحن جراء التعصب والتكبر.

8ـ تواضع الأنبياء والرسل وأثر ذلك في نفوس الزعماء والملوك الذين يستمدون سلطانهم من قهر الناس واستعبادهم.

9ـ قسمة الكعبة المشرفة وأهميتها لا يكمن في موضعها ولا شكل هندستها، ولكن قدسيتها تكمن في أنها موضع أمن وطمأنينة وتجمع للإنسانية.

10ـ التحذير من ظلم العباد والتكبر عليهم واستلابهم حقوقهم.

11ـ القيمة الكامنة في الفرائض، من كسر لشهوات النفس وكبح لجماحها.

12ـ تقدير المال كعنصر من عناصر العصبية، ومآله الحقيقي.

13ـ مصائر الأمم الماضية حين أحلت العصبية في تعاملها محل الإيمان.

14ـ التفكر في النعمة التي أنعمها الله على العرب برسول الله (صلى الله عليه وآله) بانتشاله إياهم من مهاوي العصبية، وما صاروا إليه من نعم جراء ذلك.

15ـ لوم وتوبيخ المنغمسين في العصبية من عرب الكوفة واعتمادهم عليه كمصدر قوة.

16ـ دوره في اطفاء ثائرة العصبية، وعلاقته بذلك منذ بزوغ نور الإسلام.

على أن ذلك الطول لم يفقد موضوع الخطبة تماسكها ولا حيويتها المتدفقة حماسا.

فاندماج علي عليه السلام التام في الموضوع احال الخطبة ـ رغم تقادم عهدها ـ إلى نص متجدد في معانيه ومبناه. فالتوحد بين عاصرها والتسلسل المترابط بين افكارها، والتدرج إلى النتائج في سلاسة، يكاد ينجر على معظم ما ورد في نهج البلاغة من خطب، والسبب هو معايشة علي عليه السلام لموضوعاتها معايشة تامة بالاحتكاك المباشر بالأحداث المسببة لقولها، مما جعل نتائج تلك الخطب وخواتمها ماثلة في فكره من خلال التأمل العميق الواعي في الاحداث، وهو ما يمكن استخلاصه من خواتم خطب النهج.

ـ الثالث: الخاتمة:

تتميز خواتم خطب علي عليه السلام بالتنوع في أساليبها، فمنها ما كان يلخص آراءه فيه، كما يرد عادة في خطبه ذات الموضوعات التأملية: من ذلك خطبته التي ختمها بقوله «فتبارك الله الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها، ويعفر له خدا ووجها، ويلقي إليه بالطاعة سلما وضعفا، ويعطي له القياد رهبة وخوفا، فالطير مسخرة لأمره، أحصى عدد الريش منها والنفس، فهذا غراب، وهذا عقاب، وهذا حمام وهذا نعام...»([10]). فالمتتبع لموضوع الخطبة التي وردت فيها تلك الخاتمة، يجد أن عليا عليه السلام قد كان يرمي من ورائها الابقاء على جذوة التأمل ماثلة في النفوس، لأنه قد اجمل معاني الخطبة بتركيز دقيق بعد ان عرض إلى التفاصيل في صلب الموضوع.

وقد تكون الخطبة وعظية زجرية يرمي علي عليه السلام منها بث الرهبة من عذاب الله في نفس مستمعه، وقدرة علي عليه السلام في هذا الصدد تفوق كل تصور، لإيمانه العميق الصادق، وامتلاكه ناصية أساليب اللغة، والتصرف فيها، ومقدرته على صبغها بإحساساته وعاطفته، ففي خطبة متكاملة موضوعها تفسير قوله تعالى:

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ Q حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾([11])، قد جسد تدرج خطوات سريان الموت في الإنسان خطوة خطوة، ملاحقا إياه في تأملاته وتصرفاته وتطلعاته في أثناء المرض حتى لحظات الاحتضار الأخير، وكأنه عاش التجربة بكل أهوالها وما يكتنفها من مجهول، فأعاد تصويرها بأسلوب تقشعر منه الأبدان، وبعد أن وصل بمستمعه إلى الذروة، لم يتركه دون أن يبقي الصورة مجسدة في أعماقه من خلال خاتمة خاطفة مليئة بالومضات السريعة في قوله «وأن للموت لمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة أو تعتدل على عقول أهل الدنيا»([12]).

وقد تكون خاتمة الخطبة نتيجة تصويرية منتزعة من واقع تأملات المستمع خاصة إذا كان موضوع الخبطة يتعلق بمحاولة كشف علاقة الفرد بمجتمعه واثر البيئة في تلك العلاقة ومثال ذلك قوله في خاتمة خطبة موضوعها مفهوم الطاعة من خلال علاقة الفرد بالمجتمع «واعلم ان لكل عمل نباتا، وأن كل نبات لا غنى به عن الماء، والمياه مختلفة، فما طاب سقيه طاب غرسه، وحلت ثمرته، وما خبث سقيه، خبث غرسه، ومرت ثمرته»([13]) فالنتائج التي أجملتها الخاتمة، قد تكون ماثلة أمام عين ناظرها ولكنه لا يعيرها اهتمامه إلا إذا استثير عقله نحوها، وهذا ما فعله علي عليه السلام في خاتمة خطبته.

وقد تكون الخاتمة مباشرة تعمد إلى الحض على الاستجابة من خلال الأمر الا انها رغم مباشرتها فإن عليا عليه السلام يجنبا التقريرية بصياغتها في قالب تأملي بتسخير العبارات الايحائية ويكثر ذلك في خواتم خطب الزهد التي تعمد موضوعاتها إلى التهوين من قيمة المادة كعرض زائل: ففي خاتمة لخطبة زهدية يقول علي عليه السلام «ألا فاذكروا هادم الذات، ومنغص الشهوات، وقاطع الامنيات، عند المساورة للأعمال القبيحة، واستعينوا بالله على أداء واجب حقه وما لا يحصى من اعداد نعمه وإحسانه»([14])، فكان باستطاعة علي عليه السلام أن يقول مختصرا «ألا فاذكروا الموت...»، الا ان احساس علي عليه السلام بأثر الكلمة في مستمعه اقتضى منه التماس بغيته في الأسلوب الكنائي، كي يبقى أثر الوعظ في نفوس المستمعين أطول مدة ممكنة بعد الانتهاء من الخطبة. فأهم ما تتميز به خاتمات خطب علي عليه السلام من خصائص هي:

1ـ تكثيف عناصر موضوع الخطبة واجمالها في عبارات مصوغة صياغة دقيقة وخاطفة بقصد اسعاف مستمعه على الإلمام بفحواها، واستيعاب افكارها والتجاوب مها بإبقائها عالقة في ذهنه مدة طويلة.

2ـ التنويع في انماطها واساليبها بما يتناسب وموضوعات الخطب مما ينأى بها عن جمود القوالب التعبيرية الجاهزة، فهي أبدا متجددة مهما تكرر موضوع الخطبة، لأن التناول في كل مرة يختلف باختلاف الموقف والمناسبة لاعتماد علي عليه السلام على الارتجال في جل خطبه على اعتبار انها وليدة ساعتها وبنت مناسبتها في إبانها، فتارة تكون بسبب حادث خطير ألمَّ بأطراف الدولة، وتارة أخرى بسبب استجابته لبعض من أصحابه للتعرف على قضية ما، كوصف الخالق، أو صفات المتقين، أو بسبب استفحال عيوب خطيرة في المجتمع يجب معالجتها في حينها دون تأخير. هذا إلى غير ذلك من مناسبات أخرى كالأعياد وخطب الجمع، والاستسقاء، وتفسير الآيات والوعظ، وبطبيعة الحال فإن التنوع في موضوعات الخطب وأساليبها أتاح التنوع أيضاً في أساليب خاتماتها فهي تارة عبارة عن تلخيص مركز لأفكار الخطبة، وتارة أخرى نتائج مستخلصة من أفكار الخطب، وتارة ثالثة على شكل تحذير بأساليب موحية ومقنعه في آن واحد، فهي على الدوام ذات وقع في النفس لنأي علي عليه السلام بها عن الجفاف العقلي بإضفاء قبس من مشاعره ونفحات من روحه المؤمنة على تعبيراتها، مما يجعل انسيابها في النفس مستساغا مهما بلغت حدتها وقسوتها.

3ـ الابتعاد بها عن أساليب الجدل مع مستمعه، سواء أكان جدلا مباشرا أم جدلا مع النفس غير مباشر، باكساء آرائه ثوبا من الجاذبية المثيرة لعقل مستمعه، وتوجيه الخاتمة توجيها دقيقا نحو تلك الآراء، دون الزج بفكر المستمع في متاهات تؤدي به إلى توجيه فكره نحو أمور جانبية تبعده عن لب الموضوع.

فمن خلال تأملنا في خطب علي عليه السلام التي وردت في النهج كاملة من حيث البناء الفني نجد انها مهما طالت، مترابطة العناصر، متسلسلة الافكار، متينة اللغة، واضحة المعاني هذا بالإضافة إلى سريان العاطفة فيها بتؤدة واتزان وتعقل، يجنب الأفكار الجفاف، وينأى بها عن الأسراف بالوقوع تحت طائلة الخيال المجنح والأحلام الكاذبة، فقبول النفس لأفكار الخطب عن طواعية، لا يعني وقوعها تحت تأثير الكلمة لأن بريق الكلمة في خطب علي عليه السلام يأتي في مرتبة أخيرة، بعد الحقيقة التي يعتقدها ويريد من مستمعه مشاركته ذلك الاعتقاد، فهو لا يعمد إلى العبارة الانفعالية الآنية التي تبهر الاسماع ولكن سرعان ما تفقد بريقها بعد الخروج من تأثيرها، ولكن فكره يحيل المعاني في سياقاتها التعبيرية إلى طاقات متدفقة من معاني الوفاء والحب والحق والخير والأيمان كما يعتقدها هو في قرارة نفسه ويتمثلها في أسلوب حياته، فتنبثق من اعماقه متوهجة في سياقها التعبيري المتوائم ومناسبتها فتستجيب لها النفس المؤمنة عن طواعية. وهذا التألق في امتلاك زمام اللغة للتعبير عن افكاره هو ما اتاح له التنويع والاجادة في كل المواقف والمناسبات التي اقتضت منه ان يخطب فيها، مما يحتم علينا القاء نظرة فاحصة على أنواع الخطب التي جال فيها بفكره ولهج بها لسانه.(([15]).


([1]) شرح بن أبي الحديد 20/287. وقد نسبها الجاحظ في البيان والتبيين 1/83 إلى عامر بن قيس.
([2]) يمكن ملاحظة ذلك في يشرح ميثم لأية خطبة، خاصة الخطب الطويلة المتكاملة.
([3]) ابن رشيد ـ تلخيص الخطابة ص 18.
([4]) خطب ـ23ـ وغفيرة: كثرة أو زيادة.
([5]) خطب ـ25ـ فقرة(1).
([6]) الالتفات هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الأخبار وعن الأخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك... ابن المعتز ـ البديع ص58.
([7]) خطب ـ35ـ فقرة (1). والخطب الفادح: الأمر العظيم المهبط، والحدث ـ بفتح الحاء والدال ـ الحادث، ويقصد بكل ذلك ما وقع من أمر الحكمين، والشاهد من مقدمة خطب قالها علي عليه السلام بعد استخباره بنتيجة التحكيم.
([8]) خطب ـ 420 ـ. ويقول ابن أبي الحديد بشأن تسميتها بـ (القاصعة): من قولهم: قصعت الناقة بجرتها، وهو ان تردها في جوفها، أو تخرجها من جوفها فتملأ فاها، فلما كانت الزواجر والمواعظ في هذه الخطبة مرددة من اولها إلى اخرها شبهها بالناقة التي تقصع الجرة ويجوز ان تسمى بالقاصعة، لأنها كالقائلة لإبليس واتباعه من أهل العصبية، من قولهم: قصعت القملة، إذ هشمتها وقتلتها، ويجوز ان تسمى القاصعة، لأن المستمع لها، المعتبر بها يذهب كبره، ونخوته فيكون من قولهم: قصع الماء عطشه، أي أذهبه وسكنه. شرح النهج 13/128 وتكاد المعاني الثلاثة تكون صائبة إلا أن أقربها لروح الخطبة المعنى الثاني.
([9]) خطب 240 ـ الفقرة الأولى.
([10]) خطب 233 ـ الفقرة الأخيرة.
([11]) التكاثر/1،2، وراجع معالجة علي (عليه السلام) لتفسرها في الخطبة ـ 218.
([12]) السابق ـ الخاتمة.
([13]) خطب ـ 154ـ الخاتمة.
([14]) خطب ـ98ـ الخاتمة. والمساورة: المواثبة.
([15]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور جليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 603-614.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.4172 Seconds