الدنيا في كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية، جوابًاً عن كتاب منه إليه

مقالات وبحوث

الدنيا في كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية، جوابًاً عن كتاب منه إليه

16 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 04-03-2026

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:

وَأَمَّا طَلَبُكَ إِلَيَّ الشَّامَ فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لِأُعْطِيَكَ الْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ - إلى أن يقول عليه السلام: - وَأَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الْحَرْبِ وَالرِّجَالِ، فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى الشَّلِّ مِنِّي عَلَى الْيَقِينِ، وَلَيْسَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَحْرَصَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الْآخِرَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ : إِنَّا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ ، فَكَذَلِكَ نَحْنُ ، وَلَكِنْ لَيْسَ أُمَيَّةٌ كَهَاشِمٍ، وَلَا حَرْبٌ كَعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَا أَبُو سُفْيَانَ كَأَبِي طَالِبٍ، وَلَا الْمُهَاجِرُ كَالطَّلِيقِ ، وَلَا الصَّرِيحُ كَاللَّصِيقِ، وَلَا الْمُحِقُّ كَالْمُبْطِلِ ، وَلَا الْمُؤْمِنُ كَالْمُدْغِلِ ، وَلَبِئْسَ الْخَلَفُ خَلَفٌ يَتْبَعُ سَلَفَا هَوَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ ... ([1]) .

شرح الألفاظ الغريبة:
المهاجر: من آمن في المخافة وهاجر تخلصاً منها: الطليق: الذي أُسر فأطلق بالمن عليه أو الفدية، وأبو سفيان ومعاوية كانا من الطلقاء يوم الفتح وهاجر تخلصاً منها:
الصريح: صحيح النسب في ذوي الحسب: اللصيق: من ينتمي إليهم وهو أجنبي عنهم: المدغل : المفسد([2]).

الشرح:
قال ابن ميثم: روي أن معاوية استشار بعمرو بن العاص في أن يكتب إلى علي كتاباً يسأله فيه الشام، فضحك عمرو، وقال: أين أنت يا معاوية من خدعة علي؟ قال [معاوية]: ألسنا بني عبد مناف؟ قال [عمرو] بلى، ولكن لهم النبوة دونك وإن شئت أن تكتب فاكتب، فكتب معاوية إليه [علي] مع رجل من السكاسك يقال له عبد الله بن عقبة:
أما بعد: فإني أظنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت وعلمنا، لم يحبها بعض على بعض، وإنا وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا منها ما يندم بها على ما مضى ونصلح به ما بقي، وقد كنت سألتك الشام على أن لا يلزمني منك طاعة ولا بيعة وأبيت ذلك علي فأعطاني الله ما منعت وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو ، ولا أخاف من القتل إلا ما تخاف، وقد والله رقت الأجناد وذهبت الرجال وأكلت الحرب العرب إلا حشاشات أنفس بقيت، وإنا في الحرب والرجال سواء، ونحن بنو عبد مناف وليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستدل به عزيز ولا يسترق به حر، والسلام.

فلما قرأ علي عليه السلام كتابه تعجب منه ومن كتابه ثم دعا عبد الله بن أبي رافع كاتبه وقال له: أكتب إليه:

أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يحبها بعض على بعض وأنا وإياك في غاية لم نبلغها بعد، وأما طلبك إلى الشام ... الحديث.
وقد أجاب عليه السلام عن أمور أربعة تضمنها كتاب معاوية، نذكر منها فقط الرابع والخامس من الأمور الأربعة، لتعلق الأمر الرابع والخامس مما أخذناه من كتاب علي عليه السلام:
الرابع: أوهم بقوله: «وإنا في الحرب والرجال سواء، على أنه ممن لا ينفعل عن هذه الحروب وإن اشتدت، وأن الضعف والهلاك إن جرى فعلى العسكرين، وفيه نوع تخويف وتهويل.

فأجابه عليه السلام بقوله: «فلست بأمضى ...» إلى قوله: «الآخرة»: ووجه كون الأول جواباً أنه يقول: إنك في طلبك لما أنت طالب له على شك من استحقاقه وأنا على يقين في ذلك وكل من كان في شك من أمره فليس بأمضى في حربه وقيامه عليه ممن هو على ثقة في أمره ينتج أنك لست أمضى في أمرك على الشك مني على اليقين في أمري.
ويفهم من ذلك أنه يقول: بل أنا أمضي في أمري وأولى بالغلبة لكوني على بصيرة ويقين. وحينئذ تكذب المساواة بينهما لكون المتيقن أرجح في فعله من الشاك، ووجه كون الثاني جواباً أنه يقول: إن أهل الشام يطلبون بقتالهم الدنيا، وأهل العراق يطلبون بقتالهم الآخرة وليس أهل الشام بأحرص على مطلوبهم من الدنيا من أهل العراق على مطلوبهم من الآخرة.
ويفهم من ذلك أنه يقول: بل أهل العراق أحرص على الآخرة من أهل الشام على الدنيا لشرف الآخرة ولتيقنهم حصولها، وانقطاع الدنيا وشك أهل الشام في حصولها كما قال تعالى: {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ}([3]) وحينئذ تكذب المساواة في الحرب والرجال لشرف أهل الآخرة على أهل الدنيا، ولكون الأحرص أولى بالغلبة والقهر.

الخامس: أنه نبه بقوله: ونحن بنو عبد مناف.. إلى آخره، على مساواته له في الشرف والفضيلة وهو في قوة صغرى قياس ضمير من الأول. وتقدير كبراه: وكل قوم كانوا من بيت واحد فلا فضل لبعضهم على بعض ولا فخر.

فأجابه عليه السلام بالفرق بينهما بعد أن سلّم له الاشتراك بينهما في كونها من بني عبد مناف، وذكر الفرق من وجوه خمسة بدء فيها بالأمور الخارجة أولاً من كمالاته وفضائله ورذائل خصمه متدرّجاً منها إلى الأقرب فالأقرب.

فالأول: شرفه من جهة الآباء المتفرعين عن عبد مناف، وذلك أن سلك آبائه عليه السلام أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وسلك آباء معاوية أبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد مناف، وظاهر أن كل واحد من أولئك الثلاثة أشرف ممن هو في درجته من آباء معاوية، وقد ذكرنا طرفاً من فضلهم على غيرهم.
الثاني: شرفه من جهة هجرته مع الرسول صلى الله عليه وآله، وخسة خصمه من جهة كونه طليقاً وابن طليق، وهذه الفضيلة وإن كانت خارجية إلا أنها تستلزم فضيلة نفسانية وهي حسن الإسلام والنية الصادقة الحقة، وكذلك ما ذكر من رذيلة خصمه بدنية عرضت له إلا أن هذه الفضيلة والرذيلة أقرب من الاعتبارين الأولين لكونها حقيقيتين بالآباء وهميتين بالأبناء دون هاتين.
الثالث: وكذلك شرفه من جهة صراحة النسب وخسة خصمه من جهة كونه دعياً، وهذان الاعتباران أقرب مما قبلهما لكونهما اعتبارين لازمين لهما دون الأولين.
الرابع: شرفه من جهة كونه محقاً فيما يقوله ويعتقده، ورذيلة خصمه من جهة كونه مبطلاً، وهذان الاعتباران أقرب لكونها من الكمالات والرذايل الذاتية دون ما قبلهما.
الخامس: شرفه من جهة كونه مؤمناً والمؤمن الحق هو المستكمل للكمالات الدينية النفسانية، وخسة خصمه من جهة كونه مدغلاً: أي خبيث الباطن مشتملاً على النفاق والرذائل الموبقة، وظاهر أن هذين الاعتبارين أقرب الكمالات والرذائل إلى العبد، وإنما بدء بذكر الكمالات والرذائل الخارجية لكونها مسلمة عند الخصم وأظهر له وللخلق من الأمور الداخلية.
ثم لما ذكر الرذائل المتعلقة بخصمه أشار إلى كونه في أفعاله ورذائله خلفاً لسلف هوى في نار جهنم، ثم رتب ذمه على ذلك.
وقوله: «ولبئس الخلف..» إلى قوله: «جهنم»: في قوة كبرى قياس استغنى بمفهومها عن صغراه، وتقديرها: فأنت خلف تتبع سلفاً، وكل خلف تتبع في أفعاله ورذائله سلفاً هوى في نار جهنم فهو كذلك، وكل من كان كذلك فبئس به([4]))([5]).

الهوامش:
([1]) نهج البلاغة لصبحي صالح: ٣٧٤ - ٣٧٥ من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جواباً على كتاب منه إليه رقم ۱۷ نهج البلاغة للشيخ العطار: ٤٩٦ - ٤٩٧ من كتاب له عليه السلام رقم ١٧، وشرح نهج البلاغة لابن میثم ٤: ۳۸۸ - ۳۸۹/ من كتاب له عليه السلام إلى معاوية رقم ۱۷، ونهج البلاغة للشيخ محمد عبده ۲: ۱۷ - ۱۸ من كتاب له عليه السلام إلى معاوية.
([2]) شرح الألفاظ الغريبة: ٦٧٨.
([3]) النساء: ١٠٤.
([4]) شرح النهج لابن ميثم ٤ ٣٨٩ - ٣٩٤ في شرح كتاب له كتبه إلى معاوية رقم ١٧.
([5]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 361-365.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2858 Seconds