العصبية ... في رحاب القاصعة (2)

مقالات وبحوث

العصبية ... في رحاب القاصعة (2)

 خُطَى الخزاعي
... ولا تطيعوا الأدعياء الذين شربتم بصفوكم كدرهم، وخلطتم بصحتكم مرضهم، وأدخلتم في حقكم باطلهم، وهم أساس الفسوق وأحلاس العقوق، اتخذهم إبليس مطايا ضلال وجندًا بهم يصول على الناس، وتراجمة ينطق على ألسنتهم، استراقًا لعقولكم ودخولًا في عيونكم، ونفثًا في أسماعكم، فجعلكم مرمى نبله، وموطئ قدمه، ومأخذ يده)([1])
بعد أنَّ بيَّن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه)، أنَّ إطاعة السادة والكبراء في الباطل- الذين تقدَّمت صفتهم-هي أنجع وسيلة استثمرها إبليس في جرِّ الناس حيث مزالق العصبية، يعود ويبيِّن (صلوات الله وسلامه عليه) تأثير هؤلاء المتبوعين مدَّعي الفضل والشرف من تعدية الفساد والباطل إلى تابعيهم، فيؤثرون على صَفوِ إيمانهم، وصحة عقيدتهم، وصريح حقهم، مُلبسين عليهم الأمور، قد تجذَّر الفسوق في نفوسهم متأصِّلًا، والتصق العقوق بهم ملازِمًا، انتخبهم أبليس جندًا وأعوانًا، ينطق على ألسنتهم، مستحوذًا بوساطتهم على محال المعرفة لدى التابعين من عقول وأبصار وأسماع، فيدخلهم دائرة سطوته، حيث موطئ قدمه، ومأخذ يده، وقد نوَّع (صلوات الله وسلامه عليه) في معالجته داء العصبية، ما بين أمرٍ، من اتخاذ التواضع والتذلل خلة ملازمة، ونهيٍّ من ترك التعزُّز والكِبْر، وإطاعة الكبراء أهل الغواية والضلال، واعتبار، بذكر المَثُلات السيئة والصالحة التي خلت لأجل النظر في سِيَر أصحابها، والاتعاظ من عواقبهم، فأمَّا المثال السيء، فإبليس إمام المتعصبين، وابن آدم قاتل أخيه كما تقدَّم، مرورًا بما آلت إليه مصائر الأُمم المستكبرة السابقة، الذين تعرضوا باستكبارهم إلى بأس الله، وعقوبته إذ جعل منهم مثلًا في سوء المآل والعاقبة لمن سيأتي من بعدهم من الأمم، مرشِدًا (صلوات الله وسلامه عليه) مخاطبيه إلى الاتعاظ بما صارت إليه منازل خدودهم، ومطارح جنوبهم، حاثًّا إياهم إلى الالتجاء إلى الله تعالى في دفع مسببات الكِبْر في النفس، كما يلجؤون إليه في دفع المصائب والبلايا، فقال (عليه السلام): (فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس الله وصولاته، ووقائعه ومثلاته، واتعظوا بمثاوي خدودهم، ومصارع جنوبهم، واستعيذوا بالله من لواقح الكبر كما تستعيذونه من طوارق الدهر)([2])، ثم ساق (صلوات الله وسلامه عليه) أفضل مصداق للمثال الحسن في الاعتبار، وهم أنبياء الله وأولياؤه، الذين نالوا أعلى مراتب الشرف، والعزَّة حيث ألقوا رداء التكبر، وادَّرعوا جلباب التواضع، قد وصلوا الغاية في التذلل لله تعالى، وخفض الجناح للمؤمنين، يبدون مستضعفين بنظرة المستكبر، وأعزَّة ببصيرة المتذلل، جعلهم الله تعالى مركز ابتلائه، ومُتَجلّى حكمته في امتحان خلقه، فقال (صلوات الله وسلامه عليه): (فلو رخَّص الله في الكبر لأحد من عباده لرخص فيه لخاصة أنبيائه وأوليائه، ولكنه سبحانه كره إليهم التكابر، ورضي لهم التواضع، فألصقوا بالأرض خدودهم، وعفَّروا في التراب وجوههم، وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين، وكانوا أقوامًا مستضعفين، وقد اختبرهم الله بالمخمصة، وابتلاهم بالمجهدة، وامتحنهم بالمخاوف، ومخضهم بالمكاره، فلا تعتبروا الرضا والسخط بالمال والولد، جهلا بمواقع الفتنة والاختبار في مواضع الغنى والاقتدار)([3])، فجعل الله تبارك وتعالى من خصوصية الاستضعاف للأنبياء بمقياس المستكبرين محل ابتلاء المستكبرين، كفرعون الذي كان يرى موسى مستضعَفًا، عديم الامكانات قياسًا به، غير مستأهل لما تصدّى له، استكبارًا وغرورًا ، فقال (صلوات الله وسلامه عليه): (فإن الله سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون (عليهما السلام) على فرعون وعليهما مدارع الصوف وبأيديهما العصي فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه ودوام عِزِّه فقال: " ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العزِّ وبقاء الملك، وهما بما ترون من حال الفقر والذُّل، فهلا ألقي عليهما أساورة من ذهب" إعظاما للذهب وجمعه، واحتقارًا للصوف ولبسه)([4])، فيردُّ سلام الله عليه على من كان على شاكلة فرعون في الاستكبار، بأنَّه لو أراد الله تعالى أن يُمكِّن لرسله، ويسخِّر لهم الامكانات لفعل، ولكنَّه لم يفعل ذلك صيانةً لغرضه من الابتلاء، وترجمةً لعدله في الجزاء، إذ سيتفاوت الخلق في التعاطي والابتلاء، وسينفرز من أطاع الله تعالى موطِّنًا نفسه على المشقة، عمَّن عصاه متكبرًا جاحدًا، بخلاف لو كان الحال ميسَّر للخلق في اتباع الرسل، لإمكانيتهم وسطوتهم وشدة بأسهم، لبطل معنى الجزاء لغياب خلوص الاتباع، إذ ستشوبه (إي الإتباع) الغايات والمآرب، فلا انجلاء لحقائق الإيمان، ولا تراتب في مراتب النَّاس، إذ لا مشقة تعتري النفوس فتكشف وتمايز، فقال (صلوات الله وسلامه عليه): (ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان، ومعادن العقيان، ومغارس الجنان، وأن يحشر معهم طيور السماء ووحوش الأرض لفعل، ولو فعل لسقط البلاء، وبطل الجزاء، واضمحلت الأنباء، ولما وجب للقابلين أجور المبتلين، ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين... ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى، ولو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام وعزَّة لا تضام، وملك تمتد نحوه أعناق الرجال، وتشدُّ إليه عقد الرحال لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار، وأبعد لهم في الاستكبار، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم، فكانت النيات مشتركة والحسنات مقتسمة، ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله والتصديق بكتبه والخشوع لوجهه والاستكانة لأمره، أمورًا له خاصة لا تشوبها من غيرها شائبة، وكلما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل) ([5]).

للكلام بقية، تأتي إن شاء الله تعالى...

الهوامش:
[1])) نهج البلاغة، شرح: الشيخ محمد عبده: 2/143.
[2])) نهج البلاغة، شرح: الشيخ محمد عبده: 2/143.
[3])) نهج البلاغة، شرح: الشيخ محمد عبده: 2/143-144.
[4])) نهج البلاغة، شرح: الشيخ محمد عبده: 2/144-145.
[5])) نهج البلاغة، شرح: الشيخ محمد عبده: 2/145-144.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1153 Seconds