الإمام السجين موسى الكاظم (عليه السلام)

مقالات وبحوث

الإمام السجين موسى الكاظم (عليه السلام)

عمَّار حسن الخزاعي:
الحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا كما يستحقُّه وكما هو أهله، والصلاة والسلام على خير خلقه محمَّد وآله الطاهرين..
الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق (عليهما السلام) سادس أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وأُمُّه حميدة المُصَفَّاة البربرية، ولد في المدينة المنورة، ولمَّا بلغ العشرين من عمره استشهد والده الإمام الصادق (عليه السلام)، فانتقلت إليه الإمامة ليعيش بعد أبيه خمساً وثلاثين سنة إلى حين استشهاده سنة (183 هـ) في سجن هارون العباسي . عاصر الإمام الكاظم (عليه السلام) من حكَّام بني العبَّاس المنصور العباسي، والمهدي بن المنصور الذي أحضره إلى بغداد ليحبسه، ولمَّا حبسه رأى مناماً مرعباً فأسرع في اطلاق صراحه، ثمَّ الهادي الذي حاول قتل الإمام الكاظم (عليه السلام) نتيجة اتِّهامه بثورة فخ إلَّا أنَّه مات قبل أن يُحقِّق مبتغاه، ثمَّ بعد ذلك يستلم هارون العبَّاسي الخلافة فيعاصره الإمام (عليه السلام) ثلاثة عشرة سنة، وفي هذه المرحلة تبدأ مأساة الإمام الكاظم (عليه السلام) الكبرى، إذ يستدعيه إلى بغداد بعد أن كان في المدينة فيجعله تحت الإقامة الجبرية ثمَّ يزجُّه بالحبس، وبعد مضي مدَّةً من الزمن يُطلقه ليحبسه مرةً أُخرى في عام (179 هـ) في سجن البصرة، فيمكث فيه الإمام (عليه السلام) سنة، بعدها ينقله إلى بغداد إلى أن يقتله بالسُّم سنة (183 هـ)([1])
ولقد حدثت مناظرات بين الإمام الكاظم (عليه السلام) وهارون العباسي، وكان الإمام (عليه السلام) هو المقدَّم فيها ممَّا جعل هارون يتحامل عليه، ومن تلك المناظرات ما اعترض فيها هارون على الإمام الكاظم (عليه السلام) بتسمية أنفسهم بأولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم أبناء بنته، وأراد جاهدًا أن يسحب هذا اللقب منهم، فأجابه الإمام الكاظم (عليه السلام) بقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الانعام: 84 – 85]، فحجَّ الإمام الكاظم (عليه السلام) هارون بهذه الآية الكريمة، وذلك لأنَّ الله تعالى نسب عيسى (عليه السلام) إلى إبراهيم (عليه السلام) عن طريق الأم وجعله من ذرِّيته، وهكذا الأمر مع أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) فهم ذرية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)([2])، وفي مناظرةٍ أُخرى ينكر هارون طلب أهل المحشر للطعام أو تناولهم الأكل، فيجيبه الإمام (عليه السلام) بشاهدٍ قرآني يُثبتُ به جهل هارون حتَّى بظواهر الآيات القرآنية، وهو قوله تعالى:
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف50]، وهذه الآية بصريحها تكشف عن خطأ هارون العبَّاسي([3]) .
وهكذا يتنامى غيض هارون على إمامنا الكاظم (عليه السلام) فيسجنه ثمَّ ينقله من سجنٍ لآخر بقساوةٍ لا مثيل لها، ومع حال إمامنا هذا يُرسل إلى هارون برسالةٍ متحدِّيًا عجرفته جاء فيها: ((إِنَّهُ لَنْ يَنْقَضِيَ عَنِّي يَوْمٌ مِنَ البَلاَءِ، إِلاَّ انْقَضَى عَنْكَ مَعَهُ يَوْمٌ مِنَ الرَّخَاءِ، حَتَّى نُفضِيَ جَمِيْعاً إِلَى يَوْمٍ لَيْسَ لَهُ انْقِضَاءٌ، يَخسَرُ فِيْهِ المُبْطِلُوْنَ))([4])، ويستمر الإمام (عليه السلام) بجهاده في طوامير الظالمين إلى أن يدسَّ هارون السمَّ له فيستشهد إمامنا (عليه السلام) مظلومًا مسمومًا...
السلام عليك يا سيدي يا صاحب السجدة الطويلة ورحمة الله وبركاته..
الهوامش:
([1]) الإمام الكاظم (عليه السلام) سيد بغداد، الشيخ علي الكوراني العاملي: 89 – 90 .
([2]) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى: 1270هـ): 4/302 ، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: 1354هـ): 7/491 .
([3]) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى: 1270هـ): 4/350 .
([4]) تاريخ بغداد: 15/14 ، سير أعلام النبلاء: 6/273 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0928 Seconds