القاسم... أمانة ووصية والتزام.

مقالات وبحوث

القاسم... أمانة ووصية والتزام.

الباحث: علي عباس فاضل
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير البرية رسولنا الإمين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد
الأمانة حمل ثقيل على صاحبه، وقد أبت السماوات والأرض والجبال أن تحملها قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ)([1])، وقد تصدى الإنسان لحملها على ثقلها، فمنهم من أداها حق أدائها، وخيرهم رسولنا الكريم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، إذ كانوا مثالا للأمانة والحفاظ عليها.

والإنسان يأتمن بعضا من خواصه على أهله وماله وما يخصه عندما يريد السفر والابتعاد عن الديار، وكذلك يوصي بهم إذا ألمّ به مرضٌ خوفا عليهم بعد موته، وفي هذه الأيام المؤلمة التي حدثت فيها فاجعة الكون، كانت في هذه الفاجعة أمانة، إذ روي أنه لما آل أمر الحسين (عليه السلام) إلى القتال بكربلاء، وقتل جميع أصحابه، ووقعت النوبة على أولاد أخيه الحسن (عليه السلام)، جاء القاسم بن الحسن (عليهما السلام) وقال: يا عمّ، الإجازة لأمضي إلى هؤلاء الكفار، فقال له الحسين ( عليه السلام ): يا ابن أخي، أنت من أخي علامة، وأريد أن تبقى لي لأتسلَّى بك، ولم يعطه إجازة للبراز([2])، وهذا يدل على حرص الإمام الحسين (عليه السلام) على حفظ الأمانة والوصية التي أوصاه بها الإمام الحسن (عليه السلام) في أهل بيته، وكذلك حبّه الشديد للقاسم (عليه السلام) .

ولم يفكر هذا الشاب بنجاته من الموت، وهو بهذا العمر وبداية الحياة، ومعلوم أن للشاب أحلاما وطموحات يسعى في تحقيقها، آملا بلوغها في مستقبله، لكن هذا الشاب عندما منعه الإمام الحسين (عليه السلام) من الالتحاق بركب الشهداء جلس مهموماً مغموماً، باكي العين، حزين القلب، متألماً، ووضع رأسه على رجليه([3]). وفي ساعة صبر وتأمل في طريقة تجعله يبرز لهؤلاء لكفرة تذكر القاسم أن أباه قد ربط له عوذة في كتفه الأيمن، وقال له: إذا أصابك ألم وهمّ فعليك بحلّ العوذة وقراءتها، فافهم معناها واعمل بكلِّ ما تراه مكتوباً فيها، فقال القاسم لنفسه: مضى سنون عليَّ ولم يصبني مثل هذا الألم، فحلَّ العوذة وفضَّها ونظر إلى كتابتها، وإذا فيها: يا ولدي يا قاسم، أوصيك أنك إذا رأيت عمَّك الحسين (عليه السلام) في كربلاء وقد أحاطت به الأعداء فلا تترك البراز والجهاد لأعداء الله وأعداء رسوله، ولا تبخل عليه بروحك، وكلَّما نهاك عن البراز عاوده ليأذن لك في البراز، لتحظى في السعادة الأبدية .

وهذه الوصية التي كتبها الإمام الحسن (عليه السلام) إلى ولده القاسم، وأوصاه بها بأن لا يبخل على عمه بروحه، وأن يفيده بكل ما أوتي من صبر وقوة، ومن دون تهاون، فرح القاسم ما أن وجد طريقا للشهادة حتى قام من ساعته وأتى إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، وعرض ما كتب أبوه الحسن (عليه السلام) على عمّه الحسين (عليه السلام) ، فلمَّا قرأ الحسين (عليه السلام) العوذة بكى بكاء شديداً وتنفَّس الصعداء، وقال: يا ابن الأخ، هذه الوصيّة لك من أبيك، وعندي وصيّة أخرى منه لك، ولا بد من إنفاذها .

فمسك الحسين (عليه السلام) على يد القاسم وأدخله الخيمة، وقال لأم القاسم (عليه السلام): أليس للقاسم ثياب جدد؟ قالت: لا، فقال لأخته زينب، ائتيني بالصندوق، فأتت به إليه، ووضع بين يديه، ففتحه وأخرج منه قباء الحسن (عليه السلام) وألبسه القاسم، ولفَّ على رأسه عمامة الحسن (عليه السلام)([4])، وها هو هذا الشاب الذي تدافع نحو المنية يتجهز بجاز المعركة ليلبي وصية والده وينصر عمه في منظر على لا يمكن تصوره سوى بالدموع والآهات على ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي تتساقط كالأقمار على أرض المعركة واحدا تلو الآخر.

ولمّا رأى الحسين (عليه السلام) أن القاسم يريد البراز قال له: يا ولدي، أتمشي برجلك إلى الموت؟ قال : وكيف يا عمّ وأنت بين الأعداء وحيد فريد، لم تجد محامياً ولا صديقاً؟ روحي لروحك الفداء، ونفسي لنفسك الوقاء([5]) .

وبرز القاسم إلى القوم ونصحهم وألقى عليهم الحجة، ثم قال مرتجزا

إِنْ تنكروني فأَنَا ابنُ الحَسَنْ * سِبْطِ النبيِّ المصطفى والمُؤتَمَنْ

هذا حسينٌ كالأسيرِ المُرْتَهَنْ * بين أُنَاس لا سقوا صَوْبَ المُزُنْ

وكان وجهه كفلقة القمر، فقاتل قتالا شديداً حتى قتل على صغره خمسة وثلاثين رجلا .قال حميد: كنت في عسكر ابن سعد، فكنت أنظر إلى هذا الغلام عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما، ما أنسى أنها كانت اليسرى، فقال عمرو بن سعد الأزدي: والله لأشدّن عليه، فقلت: سبحان الله! وما تريد بذلك؟ والله لو ضربني ما بسطت إليه يدي، يكفيه هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه، قال: والله لأفعلنَّ، فشدَّ عليه فما ولَّى حتى ضرب رأسه بالسيف، ووقع الغلام لوجهه، ونادى: يا عماه . قال: فجاء الحسين (عليه السلام) كالصقر المنقضّ، فتخلَّل الصفوف، وشدَّ شدّة الليث الحرب، فضرب عمراً قاتله بالسيف، فاتّقاه بيده فأطنّها من المرفق، فصاح ثم تنحَّى عنه، وحملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوا عمراً من الحسين (عليه السلام) فاستقبلته بصدورها، وجرحته بحوافرها، ووطأته حتى مات .فانجلت الغبرة فإذا بالحسين (عليه السلام) قائم على رأس الغلام، وهو يفحص برجله، فقال الحسين (عليه السلام): يعزّ والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا يعينك، أو يعينك فلا يغني عنك، بعداً لقوم قتلوك، ثمَّ احتمله، فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطّان في الأرض، وقد وضع صدره على صدره، فقلت في نفسي: ما يصنع؟ فجاء حتى ألقاه مع ابنه علي با الحسين([6]).

وختاما: نسأل الله العلي القديرأن يجعلنا مع محمد وآله في الدنيا والآخرة، ويرزقنا شفاعتهم يوم الورود، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
الهوامش:
[1])) سورة الأحزاب: 72.
[2])) ينظر: المنتخب، الطريحي: 341، مدينة المعاجز: 3/ 366.
[3])) ينظر: المنتخب، الطريحي: 342، مدينة المعاجز: 3/ 367.
[4])) ينظر: المنتخب، الطريحي: 341، مدينة المعاجز: 3/ 366.
[5])) ينظر: المنتخب، الطريحي: 342، مدينة المعاجز: 3/ 369.
[6])) ينظر: مقاتل الطالبيين: 93.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1143 Seconds