بين النبي والوصي، تلازم في ظلامة

الملازمة بين النبي والوصي عليهما السلام

بين النبي والوصي، تلازم في ظلامة

189 مشاهدة

خُطَى الخُزَاعي

((ولَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُه اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّه، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِه عَلَماً، ويَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِه...)) ([1]).
كلمات من نفائس النهج، تأخذ من يسمع بهديها صوب سيرة تفتح طيات إجمالها تفصيلًا، يحكي المولى ملازمًا أوحدًا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في كل شؤونه وحالاته،
وثَّقه رسول الله ملازمًا في أمهات مفاصل الرسالة، من الدار بداية وعند الغدير انتهاءً مرورًا بما بينهما من أحداث مُقلِّدًا إياه نصيبًا من اهتمام لم يُعهد مع غيره كمًا وكيفًا، فكان منه (صلى الله عليه وآله) بمقام النفس من النفس، وكذلك وثَّقه (صلى الله عليه وآله وسلم) سائرًا على سُننه، ملازمًا لنهجه من بعده، فكان تاليًا له بلا سبق من غيره.
فالملازمة بين النبي وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما) باتت قضية واضحة لدى كل منصف حدَّ البداهة، في حياته وبعد رحيله.
ومن شأن ظلامته (صلوات الله عليه) يستبين نوع ملازمة بين ما كان معه وما كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مواجهة خصوم، فكلًا منهما قد واجه في مهمته الرسالية صراعًا على مستويين، فهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين بعُث بالدين عورض بالمواجهة والتكذيب من لدن كبراء المشركين ابتداءً من بعض عشيرته إلى ما سواهم من القبائل، وكان صراعًا صريحًا يستهدف وجود الدين ووجود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولما استقام له الأمر بعد انتهاء هذا الصراع في الظاهر، لم يلبث أن عاد من جديد على صفة أخرى من داخل رقعة الدين؛ ولكن بشكل غير معلن متمثلًا في زمرة المنافقين التي كانت تعمل جاهدةً على مصادرة منجز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولَيِّ عنق المسيرة بالاتجاه الآخر عن سابق تخطيط وترصد، والهدف تحريف الدين بعد أن أصبح وجوده مُسَلَّمًا، والقول لأُبي بن كعب حين ((قال في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد أن أفضي الأمر إلى أبي بكر بصوت يسمعه أهل المسجد: ألا هلك أهل العقدة، والله ما آسى عليهم إنَّما آسى على من يضلون من الناس، فقيل له: يا صاحب رسول الله؛ من هؤلاء أهل العقدة ؟ وما عقدتهم؟ فقال: قوم تعاقدوا بينهم إن مات رسول الله لم يورثوا أحدًا من أهل بيته ولا ولوهم مقامه، أما والله لئن عشت إلى يوم الجمعة لأقومن فيهم مقامًا أبين به للناس أمرهم، قال: فما أتت عليه الجمعة))([2])، فكانت واجهة هذا الصراع الأشد ضراوة والأخطر أثرًا بوصفها سوقت دينًا آخر يمشي مع الزمن ونَسبته إلى الله ورسوله. 
فيأتي أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ويرث ظلامة النبي (صلى الله عليه وآله) وصور صراعه مع أعدائه، فما أن رحل رسول الله حتى أزاح حزب المنافقين عن واجهته الستار، وصرَّح أفراده عن مكنون الشنآن، متموضعين في قلب المواجهة الصريحة مع أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، فمثلت تلك الواجهة من الصراع جبهة مشتركة بين رسول الله وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما)؛ ولكن على نحو مختلف، متخذة منهجية المداراة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الوقت الذي كانت معه فيه بعمليه صراع، بعد أن أفلست جبهة الكفار الصريحة معه، وأمَّا مع أمير المؤمنين نحت منحى الصراحة والظهور مُلَوِّحة بالصدام والمواجهة الفعلية مشكلة جبهة الصراع الأولى، فكان محلها في مواجهة أمير المؤمنين محل المشركين في مواجهة النبي الصريحة، والهدف القضاء على أصل الولاية، وكان من نتائج تلك المواجهة أن حيل بين أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وحقه في القيام مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والقول له (صلوات الله عليه): ((لئن تقمصها دوني الأشقيان، ونازعاني فيما ليس لهما بحق، وركباها ضلالة، واعتقداها جهالة، فلبئس ما عليه وردا، ولبئس ما لأنفسهما مهدا...))([3])، وأخرى بشقشقة حين قال: ((أَمَا واللَّه لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ، وإِنَّه لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، ولَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً، وطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً، وطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ ويَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، ويَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّه...))([4]).
ويهلك ثالث القوم فيهرع المسلمون إلى أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ببيعة لم تسبق مع غيره، ويجيبهم قاصدًا استنقاذ الحال والعودة بالمسار صوب جادة الحق من جديد، فكان بانتظاره جبهة أخرى وصراع آخر، هدفه زعزعة حكمة واشغاله بالصدامات والحروب عن إصلاح حال الأُمة بعد أن أصبح أمر حكمه مُسَلمًا، وقوام فئات هذه الجبهة أصحاب المصلحة الذين لم يرقهم عدله، وأهل البغض أيتام حزب الانقلاب، وأهل الجهل والتعنت، والقول له: ((فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ، ومَرَقَتْ أُخْرَى، وقَسَطَ آخَرُونَ...))([5]).
فتسلم زمام مواجهته (صلوات الله عليه) من اتخذ من عداوته ديدنًا، ومن دان له بالبيعة ابتداءً، والخاتمة عند من تولاه وقاتل تحت لوائه (صلوات الله عليه)، فماثل رسول الله من جهة أنَّ عدو المواجهة غير المعلنة مع الرسول كان من الداخل، وعدو المواجهة مع أمير المؤمنين في صراعه الثاني فئات دخلت دائرة بيعته.

والخاتمة عند رواية تستعرض شيئًا من تلازم الظلامة بين النبي وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما) توثِّقه نبوءة نبوية: ((عن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه، قال: لما وقع الاتفاق على كتب القضية بين أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين معاوية بن أبي سفيان، حضر عمرو بن العاص في رجال من أهل الشام، وعبد الله بن عباس في رجال من أهل العراق، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) للكاتب: اكتب هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، فقال عمرو بن العاص: اكتب اسمه واسم أبيه، ولا تسمه بإمرة المؤمنين، فإنَّما هو أمير هؤلاء وليس بأميرنا...
فقال أمير المؤمنين: الله أكبر سنة بسنة، ومثل بمثل، والله إني لكاتب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الحديبية، وقد أملى عليَّ: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فقال له سهيل: امح رسول الله، فإنّا لا نقر لك بذلك، ولا نشهد لك به، اكتب اسمك واسم أبيك، فامتنعت من محوه فقال النبي (صلى الله عليه وآله): امحه يا علي، وستدعى إلى مثلها فتجيب وأنت على مضض)) ([6]).
الهوامش:
[1])) نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح: 300.
[2])) الفصول المختارة، الشيخ المفيد (ت: 413): 90.
[3])) الكافي، الشيخ الكليني (ت: 329): 8/27.
[4])) نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح: 48.
[5])) المصدر نفسه: 49.
[6])) الأمالي: الشيخ الطوسي (ت: 460): 187.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1192 Seconds