بين النبي والوصي، شرفية مقام

الملازمة بين النبي والوصي عليهما السلام

بين النبي والوصي، شرفية مقام

1K مشاهدة

خُطَى الخُزَاعي

ثبت لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) كل ما ثبت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من شؤون وتفصيلات إلهية إلَّا ما استثناه الدليل، مصرِّحًا بذلك القرآن الكريم حينما قلَّد أمير المؤمنين مقام نفس رسول الله في نصِّ آية المباهلة، ليأتي النص النبوي ويفصَّل المراد الإلهي مخرِّجًا النبوة فارقًا بين رسول الله وأمير المؤمنين كما في نصِّ حديث المنزلة فيُثبت له ما عدا النبوة من الشؤون والمهام، ولأجل هذا غلب على السيرة النبوية المبالغة في التثقيف لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) واستحضاره دائمًا في القول والفعل النبويين؛ فكم من آية شريفة فسَّر (صلى الله عليه وآله) قصدها العالي به حصرًا، وكم قد نطق لسانه المسدَّد بأحاديث ممتَّنة البيان في حقه غير قابلة للحرف عن متعين قصدها، وكم قد أشفع أقواله بالأفعال التي كانت تدور حول تلكم المعاني معمقة مرادها في النفوس.
وعليه أغنى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسألة اثبات استحقاقات أمير المؤمنين الإلهية الممهدِه لقادم دوره في الأمة بكثرة ذكره والتنويع فيه، وقد يكون أنَّه كان يقصد أيضًا من كثره الذكر والتقديم له معالجة ما يمكن أن يُتَصور من فرض اللبس والاشتباه في الفهم لدى القابل وإن كان هذا الفرض ضئيل الاحتمال؛ لأنَّ هناك من البيانات- كما استبان- نصية في المعنى المطلوب، أضف إلى أنَّ متلقيه ابن العربية ومشهود له بالدربة على فنون الكلام وفهم مقاصده؛ ولكن يمكن أن يقال أنَّه (صلى الله عليه وآله) كان ممَّا يرمي إليه أيضًا بسيرته تلك في طول اثبات حق أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) تربية الأمة والتكثير من عقاقير تطبيبها بعدما أطَّلع على ما ابتُليت به بعض السرائر من أدواء، حتى وصل (صلى الله عليه وآله) إلى الحد الذي استنفد معه كل ما يمكن تصوره من قابلية في التبليغ والتربية، {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (النساء: 165).

وعند معنىً هام من بين المعاني الكثيرة الموثَّق به ملازمة بين النبي وأمير المؤمنين الذي ضاهى مقام النفس المثبت له (صلوات الله عليه)، وتعرَّض له رسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤكِّدًا في أكثر من حدث ومناسبة؛ هو أنَّ عليًّا (صلوات الله عليه) منه، وفي بعضها أيضًا هو من عليٍّ مقتفيًا سيرة القرآن الكريم حين قال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} (هود: 17)، وجاء في تفسير ذلك عنهم (صلوات الله عليهم): بأنَّ ((أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) الشاهد على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) على بينة من ربه)) ([1])، ومن روايات العامة في ذلك: ((عن ابن عباس قال: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ علي خاصة [عليه السلام])) ([2])، فيأتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) مستثمرًا هذا المعنى ومؤكدًا له في أحداث ومناسبات عدة سنتعرض إلى ما يناسب المقام منها.
 ومن أشهر مناسبات هذه المقولة الشريفة تبليغ المشركين آيات سورة براءة([3]) بعد أن انتُزِعت من ابن أبي قحافة في السنة التاسعة من الهجرة النبوية([4])، وقد أورد نقل أهل الخلاف هذه المناسبة ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده ((عن علي (عليه السلام) قال: لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي (صلى الله عليه [وآله]) دعا النبي (صلى الله عليه [وآله]) أبا بكر، فبعثه بها، ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني النبي (صلى الله عليه [وآله]) فقال لي: أدرك أبا بكر فحيث ما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى أهل مكة وأقرأها عليهم، فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر إلى النبي (صلى الله عليه [وآله])، فقال: يا رسول الله، نزل في شيء؟ قال: لا. ولكن جبرئيل جاءني، فقال: لن يؤدى عنك الا أنت أو رجل منك))([5])، وقد رووا أيضًا هذا الحدث عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة([6]) وجابر([7])، وابن عمر([8])، وقد أوَّل بعضهم هذه الحادثة بتأويلات جوفاء غاضين الطرف عن حق صراح في أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر من الله لم يرَ ذلك الرجل أهلًا لتبليغ المشركين بضع آيات، فهل تَراه بحسابات المنطق سيرضى بتعدي الرجل على مقامه من بعده وقد كان بالأمس قد استكثر عليه شأن من شؤون ذلك المقام وانتزعه منه علانيةً، وقد أُورد في مصادرنا أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لأبي بكر: ((ولكنَّ الأمين هبط إليَّ عن الله جلَّ جلاله بأنَّه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، وعلي مني، ولا يؤدي عني إلا علي))([9]).

وقد أُثر عن النبي (صلى الله عليه وآله) التعرض لهذا المعنى منفصلًا عن حدث تبليغ آيات براءة وممَّا جاء في ذلك من نقلهم أيضًا: عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((على منى وأنا منه، ولا يؤدى عنّى إلّا علي)) ([10])، وقد نقل ابن ابي الحديد (ت: 656) هذا المعنى ومناسبتا ذلك: قولته (صلى الله عليه وآله) لوفد ثقيف: لتسلمن، أو لأبعثن إليكم رجلا منى أو قال: -عديل نفسي- فليضربن أعناقكم، وليسبين ذراريكم، وليأخذن أموالكم، قال عمر: فما تمنيت الإمارة إلا يومئذٍ، وجعلت أنصب له نفسي رجاء أن يقول: هو هذا، فالتفت فأخذ بيد على وقال: هو هذا مرتين، والمناسبة الأُخرى ينقلها عن فضائل أحمد بن حنبل وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يخاطب بني وليعة فقال: لَتَنتَهُن يا بنى وليعة، أو لأبعثن إليكم رجلا كنفسي، يمضي فيكم أمري، يقتل المقاتلة، ويسبي الذرية، قال أبو ذر: فما راعني إلا برد كف عمر في حجزتي، يقول: من تراه يعنى؟ فقلت: إنَّه لا يعنيك، وإنَّما يعنى خاصف النعل، وإنَّه قال: هو هذا ([11])، كما وقد حضر هذا المعنى قبلًا في معركة أُحد بعدما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ثابتًا في الميدان مستميتًا في الدفاع عنه في الوقت الذي تركه فيه جل المسلمين، ((فقال جبرئيل: يا محمد إنَّ هذه لهي المواساة، فقال (صلى الله عليه وآله): إنَّه مني وأنا منه، فقل جبرئيل: وأنا منكما)) ([12])، وآخرًا مع حديث عن ابن بُرَيْدة عن أبيه أنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ((يا بُرَيدة لا تَسُبَّ عليّاً فَإِنَّ علياً مِنّي وأنَا مِنْهُ)) ([13]).
بالنتيجة أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد مضى إلى ربه بعد أن رفع كل عذر وحجة ممَّن خالف وبدَّل، ويترتب على ذلك أنَّ من قبل بمحمد (صلى الله عليه وآله) رسولًا عن الله بلا اختيار منه، يلزمه أن يقبل بأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) خليفة لرسول الله الذي -أُبين لهم أنَّه منه كنفسه- أيضًا بدون أن يُعمل رأيه متأولًا لمصلحته، وهذا المعنى قد أشار له رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حادثة الغدير حين نقل صلاحياته كاملة إلى أمير المؤمنين بعد أن أخذ إقرارهم بولايته (صلى الله عليه وآله) عليهم فقال من كنت مولاه فهذا علي مولاه.
وختامًا نقدم تعازينا لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) بشهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن نعيش ذكرى فاجعة فقده، نرفقها مع تعازي المؤمنين القاصدين مرقد المولى أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) تطبيقًا لما رأوه من أنَّه من رسول الله ورسول الله منه  فطرةً وتعبدًا.

الهوامش:
[1] الكافي، الشيخ الكليني (ت: 329): 1/190، ح3.
[2] الكشف والبيان عن تفسير القرآن، الثعلبي (ت: 427هـ): 5/162.
[3] تم التعرض لمناسبات هذا المعنى بلا مراعاة ترتيبها الزمني.
[4] بحار الأنوار، العلامة المجلسي (ت: 1111): 35/294.
[5] مسند أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل (ت: 241): 2/ 427، ح1297.
[6] ينظر: صحيح ابن حبان (ت: 354ه): 15/16-17، ح6644.
[7] ينظر: الكشف والبيان عن تفسير القرآن، الثعلبي (ت: 427ه): 5/8.
[8] ينظر: المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري (ت: 405): 3/53، ح4374.
[9] الإرشاد، الشيخ المفيد (ت: 413): 1/65-66، مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب (ت: 588): 1/391.
[10] مسند ابن أبي شيبة، أبو بكر بن أبي شيبة (ت: 235هـ): 2/ 342، ح844، فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل: 2/594، ح1010،   سنن ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني (ت: 273): 1/44، ح119.
[11] شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 9/167، وقد أورد الحديث الثاني عن أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة: 2/571، ح966.
[12] الكافي: 8/110، ح90.
[13] مناقب علي بن أبي طالب ( ع )، ابن المغازلي (ت: 483): 187، ح423.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1345 Seconds