من أصول الأمن الفكري في نهج البلاغة - معرفة جهود النبي (صلى الله عليه وآله) في انقاذ العرب خاصة من الجاهلية

الملازمة بين النبي والوصي عليهما السلام

من أصول الأمن الفكري في نهج البلاغة - معرفة جهود النبي (صلى الله عليه وآله) في انقاذ العرب خاصة من الجاهلية

325 مشاهدة

بقلم السيد نبيل الحسني الكربلائي

«الْحَمْدُ الله الدَّالِّ عَلَى قِدَمِه بِحُدُوثِ خَلْقِه - وبِحُدُوثِ خَلْقِه عَلَى وُجُودِه - وبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شَبَه لَه»([1]) وصلواته التامات الزاكيات على «محمد عبده ورسوله، دعا إلى طاعته وقاهر أعداءه جهاداً عن دينه، لا يثنيه عن ذلك اجتماعٌ على تكذيبه، والتماسٌ لإطفاء نوره»[2]، وعلى اهل بيته «أساس الدين وعماد اليقين»[3]
أما بعد:
 قال أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام في بيان جهود النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإنقاذ العرب خاصة من براثن الجاهلية وتحقيق الأمن الفكري:
«أما بعد فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله نذيرا للعالمين، وأمينا على التنزيل، وشهيدا على هذه الأمة، وانتم يا معشر العرب يومئذ على شر دين وفي شر دار، منيخون على حجارة خشن وحيات[4] صم، وشوك مبثوث في البلاد، تشربون الماء الخبيث، وتأكلون الطعام الجشيب[5]، وتسفكون دماءكم، وتقتلون أولادكم، وتقطعون أرحامكم، وتأكلون أموالكم (بينكم) بالباطل، سبلكم خائفة، والأصنام فيكم منصوبة، (والآثام بكم معصوبة[6])
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾[7].
فمنّ الله عليكم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فبعثه إليكم رسولا من أنفسكم، وقال فيما أنزل من كتابه:
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[8].
وقال تعالى:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[9].
وقال عز وجل:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ..﴾[10].
وقال سبحانه:
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾[11]».
إنّ من أهم الأمور التي أدت إلى نشر الجاهلية والفكر المنحرف هو تجاهل الدور الكبير الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في إنقاذ العرب خاصة وقد بعث فيهم وهم على تلك الأخلاق والتردي النفسي والمجتمعي والفكري.
ومن ثم فإن الدافع في تذكيرهم بما كانوا عليه من انحرافات أخلاقية ونفسية واجتماعية إنما لتحقيق جملة من الأمور تدفع بمجملها إلى الأمن الفكري، هي كالآتي:
1-  إن كثيراً من المسلمين قد جاءوا إلى الإسلام في عام الفتح أي لم يدركوا من الإسلام إلا شهوراً عدة ومن ثم فإن هذه المدة غير كافية في تمكن الإنسان من الانسلاخ من بيئته وعادته التي نشأ عليها، وتجذرت طباعه فيها مما شكل عائقاً في تطبيق التعاليم التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاحتاج إلى التذكير.
2-  إن كثيراً منهم وإن طال به المقام في الإسلام، إلا أنه لم يزل متأثراً بتلك الأعراف القبلية والعادات الصحراوية، وهذا الصنف وإن لم يجد الفرصة في إظهار تلك العادات فإنه سيظهرها حينما تتهيأ له الظروف، ومن ثم قد يلتبس الأمر على غيره من المسلمين في التثبت بين ما هو إسلامي وعرفي.
3-  إن البعض لا سيما حكام الجور وأهل النفاق حينما لم يجد القدرة على التخلص من هذه الأخلاق سعى إلى إلصاقها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كي يستطيع أن يمارسها من جهة ومن جهة أخرى يرد بها على المعترضين عليه لما فعله من خلق قبيح ولعل تتبع هذه الشواهد تجردنا عن العنوان، ولكن على سبيل إيراد البينة، نورد ما يلي:
1-  يروي لنا البخاري في (الصحيح) عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
 «اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهداً لم تخلفنيه، فأيما عبد آذيته، أو مسسته، أو جلدته، فاجعلها كفارة وقربة تقربها إليك»[12].
2-  وفي حديث آخر، إنه قال:
«اللهم إنما أنا بشر فأيما رجل من المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجراً»[13].

ونلاحظ في الحديث أن الراوي أراد أن يقدم صورة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس بأنه كان يسب ويلعن ويجلد – والعياذ بالله- ومن ثم فإن كان الخليفة أو أحد رموز الصحابة أو الراوي نفسه على هذه الأخلاق التي نشأ عليها العرب في الجاهلية هي نفسها كانت تمارس من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم – والعياذ بالله- وبعلة مقبولة بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشر ومن ثم يجري عليه ما يجري على البشر.
في حين أن المثلية البشرية إنما يراد بها الأكل والشرب والزواج والموت والمرض وغير ذلك كي لا تندفع الناس إلى تأليه الأنبياء عليهم السلام، أما في الجانب الأخلاقي والكمالي فهم منزهون عن الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما خفي؛ وإلا لانتفت النبوة لما يحدث فيها من تعارض بين ما حرم الله تعالى على من آمن به وبين وقوع الأنبياء عليهم السلام - والعياذ بالله- بتلك المحرمات كإيذاء عباد الله تعالى وجلدهم وسبهم ولعنهم، وهذه الأفعال محرمة على المسلم فكيف بسيد الخلق وقد مدحه ربه عز وجل فقال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[14].
ولما قيل له أدع على المشركين قال صلى الله عليه وآله وسلم:
«إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة»[15].
بل كان ينهاهم عن لعن الدواب[16].
وعليه:
فالأمن الفكري يلزم معرفة أخلاق الجاهلية وما حرمه الله تعالى من هذه الأخلاق وما هو جهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إنقاذهم وتعليمهم وتزكيتهم، لا العكس الذي أخرجه البخاري مما أدى إلى أن كثيراً من المسلمين اليوم وبفعل تلك الأحاديث وسيرة أئمة الضلال لأبعد الناس عن الإسلام وأخلاق رسول الله صلى الله عله وآله وسلم([17]).

الهوامش:
[1]) نهج البلاغة بتحقيق الشيخ قيس العطار: ص415: طبعة العتبة العلوية.
[2] المصدر السابق: ص432.
[3] المصدر السابق: ص432.
[4] ورد في البحار: (جنادل).
[5] في نهج البلاغة: «تشربون الكدر، وتأكلون الجشب».
[6] هذه الفقرة في نهج البلاغة فقط.
[7] سورة يوسف: آية 106.
[8] سورة الجمعة: آية 2.
[9] سورة التوبة: آية 128.
[10] سورة آل عمران: آية 164.
[11] سورة الجمعة: آية 4.
[12] صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من آذيته فاجعله له زكاة.
[13] المصدر السابق.
[14] سورة القلم: الآية 4.
[15] صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، باب 24: النهي عن لعن الدواب، ج4، ص2004.
[16] المصدر السابق.
[17]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الأمن الفكري في نهج البلاغة، للسيد نبيل الحسني: ط: العتبة الحسينية المقدسة مؤسسة علوم نهج البلاغة. ص58-61.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1139 Seconds