دلالة الصيغة الصرفية في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) (تَقَمَّصَ) أنموذجا.

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

دلالة الصيغة الصرفية في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) (تَقَمَّصَ) أنموذجا.

861 مشاهدة

الباحث: علي عباس فاضل
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على حبيبه رسولنا الكريم وآله الطيبين الطاهرين، وبعد
حفل كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) بكثير من القضايا اللغوية، فهو سيد البلغاء بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولهذا نرى في كلامه عليه السلام استعمالات لغوية يتفرد بها، تخطت حدود البلاغة البشرية، فكلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق، وفي هذه السطور سننظر في إحدى خطبه (عليه السلام)، ونوضح ما فيها من قضايا لغوية، وهي الخطبة الشقشقية.
ويظهر من اسمها المشتق من الشقشقة التي ذكرها أمير المؤمنين (عليه السلام) حين طلب منه ابن عباس أن يتم الخطبة التي قاطعه فيها أحد الحاضرين، فقال: (هَيْهَاتَ يَابْنَ عَبَّاس! تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ!)([1])، و(الشقشقة الَّتِي يُخرجهَا الْبَعِير من فِيهِ إِذا هاج وَهِي شَبيهَة بالجلدة الرقيقة تحدث عِنْد نفخ الْبَعِير إِذا هاج)([2])، فيدل قول الإمام (عليه السلام) أنه قالها تعبيرا عن الحالة التي كان عليها، وما فعله القوم آنذاك.
وقوله (لقد تقمصها فلان)([3]), فيه دلالات مخلتفة فظاهر المعنى أنّ هناك شيئًا يُلبَس هو المقصود من هذا الكلام؛ لأنَّ تقمَّصها من قمَّص ((وتَقَمَّصَ قميصَه: لَبسه، وإِنه لَحَسن الْقِمْصة، ويقال: قَمَّصْتُهُ تقميصاً أَي أَلبستُه فتَقَمَّص أَي لَبِس))([4]). فالتقمُّص هو اللَّبِس أي إنَّ هذا الشخص لَبِسها كما يُلبس القميصُ، ولكن عند النظر إلى السياق الذي وردت فيه هذه اللفظة، والمقام الذي قيلت فيه نجد أنَّ القصد فيها يختلف عن ظاهر الكلام؛ فالمقصود بتقمَّصها أي أخذها أو استولى عليها من دون وجه حق، أي إنّه سلبها من صاحبها كما يسلب القميص، وهو ما يشير إله معنى الصيغة (تَفعَّل)([5])، ولَبِسها كما يُلبس والمقصود بالضمير(ها) في تقمّصها هي الخلافة وذلك من ما دلَّ عليه السياق ومقام الحال الذي قيلت فيه الخطبة؛ لأن الخطبة قيلت في أمر الخلافة وما تبع هذا الكلام ينقل لنا ما حدث من أمر الخلافة بعد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فقد جاء في الأثر أنّه (عليه السلام) أراد من هذه الخطبة أن يبيّن للناس أحقيّته بالخلافة وأنّه أهل لها وأصلح منه – من الأول- بها، وهذا يبين ذلك القطب من الرحى لا يستقل بنفسه, ولا بدَّ في تمامه من الرحى فنبّه بذلك على أنّه أحقُّ, وإنْ كان قد تقمصها([6]), فكان للاستعارة هنا دورها في نقل المعنى من ظاهره إلى المعنى الضمني المقصود الذي أراده المتكلم وفهمه المخاطب لما بينهما من تعاون يحكمه عليهما السياق ومقام الحال الذي وردت فيه الخطبة، إذ ((إنّ الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة ولا من حيث هي كلم مفرد, وإنّ الالفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشْبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ ))([7]).
وهكذا فإن اللغويين لم يلتفتوا إلى كلام سيد البلغاء في تقعيد قواعدهم اللغوية، إلا فيما ندر من شواهدهم، ولو أنهم نهلوا من هذا النبع العذب لكانت قواعدهم أشد تحصينا وأقوم، ولكنهم تركوا هذا البحر الزاخر وذهبوا إلى الشعر وما فيه من جواز التصرف للشاعر، ولعل السبب في ذلك نصبهم العداء لأهل البيت (عليهم السلام)، أو خوفهم من الحكام في عصورهم المتتالية، خصوصا وأن أولئك الحكام ممن ينصب العداء لآل محمد (صلوات الله عليهم).
وختاما: نسأل الله العلي القدير أن يجعلنا مع محمد وآل محمد في الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب.
الهوامش:
([1])نهج البلاغة، تحقيق: قيس بهجت العطّار: 83.
([2]) جمهرة اللغة: 1/ 207.
([3])نهج البلاغة، تحقيق: قيس بهجت العطّار: 83.
([4]) لسان العرب (قمص): 5/3738 .
([5]) ينظر: شرح شافية ابن الحاجب، الرضي الاستراباذي: 1/ 105، وذكر أنه لم يستعمل بقوله: (وَتَفَعَّلَ الذي للتجنب مطاوعُ فَعَّلَ الذي للسلب تقديراً، وإن لم يثبت استعماله)، بل ثبت استعماله، والظاهر أنه لم يقرأ كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) أو أنه تجاهله، ويثبت كلامه (عليه السلام) أنها تأتي للسلب، وقلّ من ذكر أنها تأتي لهذا المعنى، منهم أحمد بن يوسف الحلبي في كتابه عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 1/ 62.
([6]) ينظر: مصادر نهج البلاغة وأسانيده: 1/313.
([7]) دلائل الإعجاز: 32 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1533 Seconds