دلالة المثل في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) (إِيّاك وما يُعتذَرُ منهُ) أنموذجا.

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

دلالة المثل في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) (إِيّاك وما يُعتذَرُ منهُ) أنموذجا.

2K مشاهدة

الباحث: علي عباس فاضل
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين رسولنا الكريم وآله الطيبين الطاهرين، وبعد
زخر كلام سيد البلغاء ومفوه الخطباء أمير البيان مولانا علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالحكم والمواعظ التي تنير طريق الهدى وسبل الرشاد للناس أجمع، وقد جمع بين ألفاظه ومعانيه، بعض الشواهد التي تعزز المعنى المقصود من كلامه (عليه السلام)، ومن هذه الشواهد الأمثال، إذ نجد أمير المؤمنين (عليه السلام) وظفها في مواضع  مختلفة من كلامه، لبيان أمر ما أو موقف ما.
والاستشهاد بالأمثال هي من وجوه البلاغة والبيان، وقد وردت في القرآن الكريم في آيات كثيرة نذكر منها، قوله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ)([1]).
ومن روائع الاستشهاد بالأمثال في اللسان العربي التي يراد بها النصح والتوجيه للمخاطب، ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكة: (فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الْحَازِمِ الصَّلِيبِ، وَالنَّاصِحِ اللَّبِيبِ، التَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ، الْمُطِيعِ لإمَامِهِ. وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ، وَلاَ تَكُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً، وَلاَ عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلاً، وَالسَّلاَمُ)([2]).
فقوله (وإياك وما يتعذر منه) هو مثل نقله كثير من الذين كتبوا في الأمثال العربية([3])، ولكنهم لم ينسبوا هذا المثل إلى قائل، بل يذكرون أنه لبعض الحكماء، أو قول القائل، ونسبه بعضهم إلى النبي الأكرم ( صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ).
وذكر الراوندي في شرح هذه الفقرة: (وقوله «وأقم على ما في يديك» أي دم على ما أمرتك العمل به وأمضيت حكم يدك عليه، يقال: أقام الشيء أي أدامه، من قوله «يقيمون الصلاة»، وقام بأمر كذا قياما، يقال: أقم قيام الحازم، كقوله تعالى: «وَالله أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَباتاً»([4]) والحازم من يضبط الأمر ويأخذه بالثقة، والصليب: الشديد. والبطر: سوء احتمال الغنى والطغيان عند النعمة. والبأساء: الشدة، والفشل: الجبان الضعيف، وبالفتح المصدر)([5]).
أما الشارح المعتزلي فقد ذكر مكانة هذه الكلمات العطرة فيقول: (قوله: (وإياك وما يعتذر منه) من الكلمات الشريفة الجليلة الموقع، وقد رويت مرفوعة، وكان يقال: ما شيء أشد على الإنسان من حمل المروءة، والمروءة ألا يعمل الإنسان في غيبة صاحبه ما يعتذر منه عند حضوره)([6]).
وأمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا ينصح الفرد أن لا يبدر منه خطأ تجاه أخيه ما يوجب عليه الاعتذار منه، بل عليه أن يكون حذرا في التعامل معه، وأن يلتزم بهذه النصيحة والتوجيه الذي يكفيه مؤونة الاعتذار.
وختاما: نسأل الله العلي القدير أن يجعلنا من السائرين على هدي أئمتنا الطاهرين ويجعلنا معهم في الدنيا والآخرة، إنه سميع الدعاء. والحمد لله رب العالمين.
الهوامش:
([1]) سورة الرعد: 17.
([2]) نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح: 407.
([3]) ينظر: الأمثال، ابن سلام (ت: 224ه): 64، والأمثال، أبو الخير الهاشمي (ت: بعد 400ه): 71، مجمع الأمثال، أبو الفضل النيسابوري (ت: 518ه): 1/ 44.
([4]) سورة نوح: 17.
([5]) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، الراوندي: 3/ 123.
([6]) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 16/ 139.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1092 Seconds