التشبيه في نهج البلاغة الشقشقية أنموذجا.

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

التشبيه في نهج البلاغة الشقشقية أنموذجا.

552 مشاهدة

الباحث: علي عباس فاضل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وبعد

يزخر كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) بالأساليب البيانية والفنون البديعية، ومن هذه الأساليب والفنون، التشبيه وهو الاشتراك في صفة او صفات بين شيئين ولا يطابقه تمام الانطباق (وأحسن التشبيه هو ما وقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيما يدني بهما الى حال الاتجاه)([1]), وعرّفه الرماني بقوله: (التشبيه هو العقد على أنّ أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حسٍّ أو عقل ولا يخلو التشبيه من أن يكون في القول أو في النفس)([2])، وعرف أيضا على أنه: (عقد مماثله بين أمرين أو أكثر قصد اشتراكهما في صفة أو أكثر بأداة لغرض يقصده المتكلم )([3])، وأركان التشبيه, وهي أربعة: طرفاه (المشبه، والمشبه به)، ووجهه (وجه الشبه)، وأداته (أداة التشبيه)([4]).

ومن شواهد التشبيه في الخطبة الشقشقية قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّيَ مِنهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَا)([5])، وهذا التشبيه يسمى في البلاغة التشبيه البليغ (هو ما حذفت فيه الأداة، ووجه الشبه، وهو أرقى أنواع التشبيه بلاغة)([6])، قال ابن أبي الحديد في شرح هذه الفقرة : (فأما قوله عليه السلام: "إن محلى منها محل القطب من الرحا "، فليس من هذا النمط الذي نحن فيه، ولكنه تشبيه محض، خارج من باب الاستعارة والتوسع، يقول: كما أن الرحا لا تدور إلا على القطب، ودورانها بغير قطب لا ثمرة له ولا فائدة فيه، كذلك نسبتي إلى الخلافة، فإنها لا تقوم إلا بي، ولا يدور أمرها إلا على. هكذا فسروه. وعندي أنه أراد أمرا آخر، وهو أنى من الخلافة في الصميم، وفي وسطها وبحبوحتها، كما أن القطب وسط دائرة الرحا)([7]).

ومن التشبيه أيضا قوله (عليه السلام): (فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ)([8])، فقد شبه الإمام (عليه السلام) صاحب الخلافة كركب الصعبة (قيل الضّمير في صاحبها يعود إلى المداراة في صعوبة حاله كراكب الصّعبة ووجه المشابهة انّ راكب الصّعبة كما يحتاج إلى الكلفة الشّاقة في مداراة أحوالها فهو معها بين خطرين ان والى الجذبات في انفها ( في وجهها بالزّمام خرم انفها وان أسلس لها في القياد تقحّمت به المهالك كذلك مصاحب اخلاق الرّجل والمبتلى بها ان أكثر عليه انكار ما يتسرّع اليه ادّى ذلك إلى مشاقّته وفساد الحال بينها وان سكت عنه وتركه وما يضع ادّى ذلك إلى الاخلال بالواجب وذلك من موارد الهلكة)([9]).

ومن التشبيه أيضا قوله(عليه السلام): (يَخْضَمُونَ مَالَ اللهِ خَضْمَ الاْبِل نِبْتَةَ الرَّبِيعِ)([10])، وهو من التشبيه البليغ الذي حذفت أداته، إذ شبه نهب مال الله من قبل الحاشية التي حول الحاكم وولاته على الأمصار كأكل الإبل لنبتة الربيع، ((يخضمون مال اللَّه) ويأكلونه بأقصى أضراسهم. وهو كناية عن كثرة توسّعهم بمال المسلمين وشدّة أكلهم من بيت المال من غير مبالاة لهم فيه (كخضم الإبل) وأكلها بجميع فمها (نبتة الرّبيع) ونباته، ووجه الشّبه أنّ الإبل لمّا كانت تستلذّ نبت الرّبيع بشهوة صادقة وتملأ منه أحناكها وذلك لمجيئه عقيب يبس الأرض وطول مدّة الشّتاء، كان ما أكله أقارب عثمان من بيت المال مشبها بذلك، لاستلذاذهم به وانتفاعهم منه بعد طول فقرهم ، وامتداد ضرّهم)([11]).

 وكذلك من التشبيه قوله (عليه السلام): (فَمَا رَاعَنِي إلاَّ وَالنَّاسُ إليَّ كَعُرْفِ الضَّبُعِ)([12])، فقد شبه توجه الناس إليه وازدحامهم عليه كعرف الضبع الذي يكون كثيف الشعر، وذكر في شرح هذه العبارة (أنّه ما أفزعني الَّا والنّاس اجتمعوا واقبلوا اليّ في بيعتهم كاجتماع عرف الضّبع في عنقه فشبّه (عليه السلام) ازدحام النّاس للبيعة بازدحام عرف الضّبع واسترسالها ووجه الشّبه أنّ الضّبع ذات عرف كثيرة قائم الشّعر والعرب يسمّى الضّبع عرفا لعظم عرفها فكان حال النّاس في إقبالهم إليه متتابعين، يتلو بعضهم بعضا قياما يشبه عرف الضّبع ثمّ قال (عليه السلام) قد أحاطوا بي من كل جانب)([13]).

وختاما نسأل الله العلي القدير أن يجعلنا مع محمد وآل محمد في الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب.
الهوامش:
([1]) نقد الشعر : 122.
([2]) النكت في اعجاز القران : 74.
 ([3])جواهر البلاغة : 247.
 ([4])ينظر: بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة: 3/ 391.
([5]) نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح: 48.
([6]) جواهر البلاغة : 242.
([7]) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1/ 153.
 ([8])نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح: 48.
([9]) مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: 3/ 308.
 ([10])نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح: 49.
 ([11])منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، حبيب الله الهاشمي الخوئي: 3/ 97.
([12]) نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح: 49.
([13])مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: 3/ 443.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1109 Seconds