الخصائص الاسلوبية في كتاب الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) إلى واليه على البصرة عثمان بن حنيف (رضي الله عنه) (المستوى الصوتي: التوازي أنموذجًا)

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

الخصائص الاسلوبية في كتاب الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) إلى واليه على البصرة عثمان بن حنيف (رضي الله عنه) (المستوى الصوتي: التوازي أنموذجًا)

172 مشاهدة

عمار حسن الخزاعي

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين...
التوازي مبدأ صوتي يساهم في هندسة البنية الشكلية للنص، وكذلك البنيات التعبيرية، فهو يعمل على صياغة المعنى العام للعمل الأدبي بما يحمله من طاقاتٍ دلاليةٍ متوافقةٍ أو مختلفة؛ ولذلك عُدَّ عنصراً تأسيسياً وتنظيمياً وخاصيةً لصيقةً بكلِّ الآداب العالمية، سواء أكانت قديمةً أم حديثةً وشفويةً أم مكتوبة([1])، وسواء أكانت شعراً أم نثراً([2]). وعُرِّف بأنَّه ((تشابه البنيات واختلاف في المعاني))([3])، أو هو ((تنمية لنواةٍ معينةٍ بإركامٍ قسري أو اختياري، لعناصر صوتية ومعنوية وتداولية، ضماناً لانسجام الرسالة))([4])، فهو أداة سبك فاعلة لما لها من أثرٍ ظاهر في تماسك أجزاء النص ومكوناته، وهذه الخاصية لسيقة به لاعتماده على التوليف المتوافق بين البنيات النحوية المتعاقبة، التي يتحكم في امتداداتها وتكراراتها نمو النص، فهو يستمدُّ مادته من نبع عواطف وانفعالات المنتج.
وقد شكل التوازي خصيصة أسلوبية بارزة في مدونة البحث، وامتاز بخصوبته المنتجة بالرسالة، وممَّا ورد منه قوله (عليه السلام):
((فَوَ اللهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً، وَلاَ ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً، وَلاَ أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً، ولا حزت من أرضها شِبرا))([5])
انتظم هذا النص بجوٍ ايقاعي منتظم، وذلك بالتوافق في البنية التركيبية، الذي يمكن أن نمثِّله بالآتي:
نفي + فعل ماضي + تاء الفاعل + شبه جملة (جار ومجرور) + مضاف إليه + مفعول به
وهذا التشاكل التركيبي منح النص إيقاعاً متميزاً شكَّل سمةً تنبيهيةً للمخاطب، مهمَّتها لفت الانتباه الى ما ورد في النص وزيادة التفاعل التواصلي مع المادة المرسلة، ولم يكتفِ المتكلم بالجانب الإيقاعي كمؤشرٍ اسلوبي؛ بل عمد الى انتهاك الانتظام النحوي بتقديم شبه الجملة (من دنياكم، من غنائمها، ولبالي ثوبي، من أرضها) على المفعول به (تبرا، وفرا، طمرا، شبرا)، ليخلق مؤشراً يستوقف متلقي الخطاب وهو (ابن حنيف)، وينبِّهه الى السُّنة التي اتبعها إمامه، فيعرف بذلك مخالفته التي ارتكبها، ومن هنا نشأت بين المتواليات مفارقةً بالأداء اللغوي، فهو من جانب يلتزم بالتوافق الكمي في البناء التركيبي للمتواليات، ومن جانب آخر ينتهك النظام المعياري للملفوظات، وهذه المفارقة تنقلنا الى المفارقة بين فعل المرسل الرافض للدنيا، وبين فعل المخاطب المخالف لما أراده منه إمامه. فبنية التوازي أصبحت تمثِّل ((الترابط الموجود بين الثابت والمتحول، ففي أحد القطبين نجد استعادة ثابت، يمثِّل تكراراً خالصاً، وفي قطب آخر نجد غياب الثابت والمتحول، وهو بمثابة اختلاف خالص))([6])، وبذلك لم تقتصر وظيفة التوازي على البعد الإيقاعي المتأتِ من تكرار التراكيب وانتظامها، وإنَّما زاد على ذلك بتبليغ رسالة إلى المستقبل([7]). فهو يعمل على الجنبتين الإيقاعية والدلالية.
وممَّا ورد من ذلك أيضاً قوله (عليه السلام):
 ((وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلى طَعَامِ قَوْمٍ، عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ((([8])
فقد ورد التوازي في (عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ) والبنية التركيبية لهاتين المتواليتين متكونة من:
مبتدأ + ضمير (الهاء) في محل جر مضاف إليه + ميم الجماعة + خبر
فتوافقت البنية التركيبية، وكذا البنية الصرفية في (مجفو، مدعو)، والفاصلة (الواو) أيضاً، بالإضافة إلى أسلوب الطباق بين (عائلهم، غنيهم)، (مجفو، مدعو)، فحملت هذه الكلمات الأربع ثلاثة ألوانٍ بلاغية: (التوازي، السجع، الطباق)، ما جعلها مثقلة بالحمولات الدلالية، ومشحونة بالانفعال والعاطفة، فشكلت مؤشراً اسلوبياً زاد من شدة فاعليته الطباق؛ لأنَّ الكلمات المتناقضة أو المتخالفة في المعنى عندما تتقابل يحدث نوعٌ من التداعي والتبادر في سياق التعبير([9]) وهذا الأسلوب يجعل المستقبل أكثر تواصلية مع الرسالة، لأنَّه يحاول مسايرة المرسل باكتشاف الطرف المقابل للكلام وهو الضد لما ذُكِر.
ومن التوازي أيضاً قوله (عليه السلام):
((وَاللهِ لَوْ كُنْتِ شَخْصاً مَرْئِيّاً، وَقَالَباً حِسِّيّاً، لأَقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اللهِ فِي عِبَاد غَرَرْتِهِمْ بِالأَمَانِي، وَأُمَم أَلْقَيْتِهِمْ فِي الْمَهَاوِي، وَمُلُوك أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى التَّلَفِ، وَأَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ الْبَلاَءِ، إِذْ لاَ وِرْدَ وَلاَ صَدَر()
في هذا النص عمد المتكلم الى التأنُّق الموسيقي المتواشج مع الارتقاء الدلالي، وذلك بواسطة التوازي الذي ابتنت عليه المتواليات في قوله (عليه السلام):
((فِي عِبَادٍ غَرَرْتِهِمْ بِالأمَانِي، وَأُمَمٍ أَلْقَيْتِهِمْ فِي الْمَهَاوِي، وَمُلُوكٍ أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى التَّلَفِ))([10])
فجاءت المتواليات متوافقة على بنية تركيبية واحدة هي:
اسم مجرور + فعل وفاعل + شبه جملة من الجار والمجرور
وهذا الانتظام الموسيقي منح النص بعداً تأثيرياً ساهم في تحريك المشاعر؛ لأنَّ ((أثر الكلمة الملفوظة لا يتحدد في إثارة حاسة السمع، وإنَّما في إثارة الجوانب الروحية الكامنة في ذات الإنسان أيضاً))([11]).
وممَّا سبق يمكننا القول أنَّ الموسيقى الصوتية تُعدُّ من الأدوات المثلى لتذوق شعرية النص الأدبي؛ ولذلك يسعى المتلقي الواعي بجهد حثيث من أجل التعرف عليها وعلى ما تحمل من رمزية، فهي ((أداة تبليغٍ مثلى للتعبير عن الحالات النفسية والمواقف العاطفية))([12])، فضلاً عن إنَّها بنية فكرية([13]) تساهم في بناء الجو العام للنص الأدبي.[14]
والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:
([1]) ينظر: التلقي والتأويل- مقاربة نسقية، محمد مفتاح : 149.
([2]) ينظر: قضايا الشعرية : 108 .
([3]) ينظر: مدخل إلى قراءة النص الشعري: 259.
([4]) تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص)، د. محمد مفتاح: 25.
([5]) نهج البلاغة، ضبط نصَّه وابتكر فهارسه: صبحي الصالح: 530.
([6]) من النص المعياري إلى التحليل اللساني ، الشعرية البنيوية أنموذجا ، خالد سليكي ، مجلة عالم الفكر ، مجلد 23 ، العدد 1 ، 2، يوليو ، سبتمر ، اكتوبر ، ديسمبر: 392 .
([7]) التوازي في شعر يوسف الصائغ واثره في الايقاع والدلالة سامح الرواشدة، مجلة ابحاث اليرموك، م16، ع2، 1998، ص19.
([8]) نهج البلاغة، ضبط نصَّه وابتكر فهارسه: صبحي الصالح: 529.
([9]) لغة الشعر عند المعري، د. زهير غازي زاهد: 30. 
([10]) نهج البلاغة، ضبط نصَّه وابتكر فهارسه: صبحي الصالح: 534.
([11]) جرس الألفاظ ودلالتها في الجهد البلاغي والنقدي عند العرب، د. ماهر مهدي هلال: 310.
([12]) نظرية إيقاع الشعر العربي: 42.
([13]) ينظر: التقابل الجمالي في النص القرآني: 214.
[14]) الخصائص الاسلوبية في كتاب الإمام علي (عليه السلام) إلى واليه على البصرة عثمان بن حنيف (رضي الله عنه)، للمؤلف: 40-44.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1179 Seconds