التناص مع الحديث النبوي الشريف في خطاب الإمام علي (عليه السلام)، التناص الامتصاصي انموذجاً

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

التناص مع الحديث النبوي الشريف في خطاب الإمام علي (عليه السلام)، التناص الامتصاصي انموذجاً

250 مشاهدة

بقلم: د. ستار قاسم عبد الله
جامعة البصرة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
يعد الحديث النبوي الشريف المصدر الثاني من مصادر التشريع التي يأخذ بها المسلمون في حياتهم ويقرون بما جاء به، ولما كان الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) قد ُربّيَ في حجر الرسول ونهل العلم من معينه الزاخر و(أما علمه بالحديث فلا يشق له غبار وليس في ذلك ما يستغرب، وقد رافق الامام اطول زمن رافقه فيه مجاهد وصحابي فسمع منه ما سمعه الاخرون وما لم يسمعوه ويقال إن علياً لم يكن يروي من الحديث إلاّ ما سمعه بنفسه من الرسول ِ؛ لأنه كان مطلق الايمان بان كلمة واحدة من حديث النبي لم تفت قلبه)[1]، وقد دأب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)على توضيح ما في الحديث من فضائل وشمائل وسلوكيات وتشريعات إسلامية كثيرة كانت قد أُجملت ولم تُبين في القرآن؛ لذا شكلّ الحديث النبوي الشريف في المتن الادبي للإمام علي (عليه السلام) مادة خصبة ومصدراً أساساً من مصادر ثروته الأدبية، فقد أخذ ينهل من معينه وكثيراً ما كان يستحضر بعض الفاظ الحديث النبوي الشريف موظفاً اسلوبه توظيفاً ادبياً فكان تفاعل الامام مع الحديث الشريف يجسد التناص الديني، ويعبر عن عمق إلمام الامام بمضامين الحديث النبوي الشريف فلم يكن تناص الامام مع الحديث مجرد إيحاءات (بل انه عملية اختراق مقصود للبنية اللغوية القارة في الذهن في شكل إشعاعات دلالية تجعل الماضي الجميل المستعار شعورياً أو لا شعورياً لخلق فضاء مضيء متداخل الدلالة ,ولذلك فان الحضور الذهني المشترك بين اشارات النص التي يدركها المتلقي بعد أن يستوعبها المبدع هو الذي يقيم العلاقات وينتج الدلالات ويجعل النص بنية مفتوحة على الماضي وقارة في الحاضر)[2].
لقد استوعب الامام (عليه السلام) مضامين ودلالات الحديث النبوي الشريف وطاقاته اللغوية الفنية واستطاع أن يدمجها في نصه بشكل فني؛ بسبب احتواء الحديث النبوي على حمولات معرفية وتجارب إنسانية وصور بلاغية ووفرة في المدلولات مما يزيد المتن الادبي للإمام تجديداً وغنىً في المضمون, فاستطاع الامام (عليه السلام) استحضار النص الغائب -أعني الحديث النبوي الشريف - وقام بتحويله واعادة انتاجه في سياق رؤيته الخاصة واستطاع بذلك أن يبني منه موقفاً جديداً، وتتجلى فاعلية التناص فيه بوساطة التعبير عن قيم انسانية رفيعة ترتبط بمدلول النص، وقد اشار الشراح في مواضع معينة الى تناص الامام مع الحديث النبوي الشريف ومن الامثلة على ذلك قول الامام (عليه السلام): (الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر)[3] في هذه الحكمة الرائعة للإمام تأكيد على أهمية الافعال اذ لا جدوى من القول ما لم يقرن ذلك بتطبيق عملي يبرهن على القول، فالإمام  يتكئ على قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (أحمق الناس من ترك العمل وتمنى على الله)[4]، فقد عضّد الامام قوله مستنداً على مرجعية فكرية أصيلة متمثلة بالحديث النبوي الشريف، وهنا حقق الإمام التناص الامتصاصي وذلك من خلال إعادة الصياغة لمضمون الحديث النبوي الشريف.
 ونجد الامام (عليه السلام) يستعمل قدراته الأسلوبية وفنيته التعبيرية فيوظف الحديث النبوي الشريف توظيفاً فنياً بارعاً، وهذا ما تمثل بقوله (عليه السلام): (وأمرك أن تسأله فيعطيك وتسترحمه ليرحمك)[5]، اذ إتكأ الامام (عليه السلام)على الحديث النبوي الشريف الذي يقول: (لا يزيد في العمر إلّا البر ولا يردُّ القدَر إلاّ الدعاء)[6]، وهنا أبدع الامام عن طريق تفجير الطاقات الدلالية للحديث وإعادة تشكيله من جديد من خلال آلية “ التناص الامتصاصي “؛ من اجل تعميق الموقف الفكري الذي يدعو اليه عن طريق انفتاحه على عوالم غنية بالدلالات والايحاءات الفكرية، وهنا تظهر براعته في الإفادة من التناص، فهو يأخذ ألفاظ النص الغائب ويعيد تمثلها متخذاً إياها وسيلة لخدمة النص الحاضر، فقد (بسط الامام المعرفة بأسلوبه الخاص ومنطقه المعجز سهلاً ممتنعاً)[7]؛ لذا جاء كلامه في أعلى مراتب البيان ,وأرقى أساليب الإعجاز, فنجده يرسل المعاني الدقيقة والأجوبة المُسكتة كل ذلك بأسلوب مشرق قوي محمل بالحكمة ما ينبئ عن غزارة علمه وصحة تجربته وادراكه لحقائق الاشياء ذلك(إن الامام لم يتكلم في الفخر أو الشعر وهي ساحات واسعة للخيال والوصف الفصيح ولم يقل ما قاله ليكون مقالاً جميلاً تضرب به الامثال فيبدي بذلك مهارته الفنية في الكلام. كلا اذ لم يكن الكلام هدفاً له بل وسيلة الى أهدافه إنه لم يرد أن يخلق لنا بمقالة أثراً فنياً او يبدي عبقريته الأدبية)[8].
لقد تمكن الامام من استثمار آلية التناص الامتصاصي في قوله (عليه السلام): (قارن أهل الخير تكن منهم وباين أهل الشر تَبن)[9] فقد تمثل (عليه السلام) قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (المرء على دين خليله وقرينه)[10] وامتصاصه واعادة تشكيله في نصه، وبهذا أضفى الامام على نصه طاقة تعبيرية ودلالية هائلة، وذلك لما يتصف به الحديث من ثراء ثقافي واسع وقيمة ابداعية متميزة([11]).

الهوامش:
[1] الامام علي صوت العدالة الانسانية: 192
[2] ثقافة الاسئلة: 113.
[3] شرح نهج البلاغة لكمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني ,المطبعة وفا ,ط1427,1: 5/482.
[4] المصدر نفسه ,5/482.
[5] بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: 8/285.
[6] بحار الانوار، للعلامة محمد باقر المجلسي، تح السيد ابراهيم الميانجي، ط2، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1983م: 77/168.
[7] ملامح من عبقرية الامام علي,مهدي محبوبة، العتبة العلوية المقدسة، قسم الشؤون الفكرية والثقافية: 27.
[8] في رحاب نهج البلاغة: 30.
[9] بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: 8/33.
[10] الكافي، الكليني، تح: علي أكبر غفاري،  دار الكتب الاسلامية طهران ط4 : 21/642.
[11] لمزيد من الاطلاع ينظر: ملامح الخطاب النقدي في شروح نهج البلاغة، للدكتور ستار قاسم عبد الله، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص72 – 75.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1131 Seconds