المبالغة بأسماء الأفعال في نهج البلاغة: ثانياً (إليك)

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

المبالغة بأسماء الأفعال في نهج البلاغة: ثانياً (إليك)

408 مشاهدة

بقلم: د. حيدر هادي الشيباني

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
فإن أسماء الأفعال من الموضوعات اللغوية التي شغلت عناية الكثيرين من علماء العربية، قدماء ومحدثين ومعاصرين، إذ لم يخلُ كتاب في العربية قدم من ذكرها.
والمراد بأسماء الأفعال المُراد بأسماء الأفعال أنَّها ألفاظ «وُضِعت لتدل على صيغ الأفعال، كما تدلُّ الأسماء على مسمياتها»([1]).
أمّا دلالتُها فقد ذكر كثير من اللغويين أنَّها تفيد المبالغة، فضلاً عن إفادتها الاتِّساع والاختصار، قال ابن السَّرَّاج: «فجميع هذه الأسماء التي سُميَ بها الفعل إنما أُريد بها المبالغة، ولولا ذلك لكانت الأفعال قد كفَت عنها»([2])، وأكد ذلك ابن جني مفسِّرًا، فقال: «وذلك أنك في المبالغة لا بد أن تترك موضعًا إلى موضع، إمّا لفظًا إلى لفظ، وإمّا جنسًا إلى جنس»([3])، وإلى هذا ذهب ابن يعيش([4])، والرضي الاسترابادي([5]).
من هنا نجدها وردت في كتاب نهج البلاغة، وهي على النحو الآتي:
ثانيًا: إليك
اسم فعل منقول من الجار والمجرور, فمعنى: إليَّ: أتنحّى, وإليكَ: تنحَّ, يقال لمن يؤمر به: إليك: أي: تنحَّ, فيقول: إليَّ, أي: أتنحّى([6]).
وذهب الرضي إلى أنَّ تأويل (إليَّ) بمعنى (أتنحّى) خبر شاذ, «إذ قياس الظروف وشبهها أن تكون أوامر»([7]).
وهو دالٌّ على التوكيد والمبالغة لِما فيه من الاختصار, إذ إنَّ قولنا: إليك عني يعني: ضمَّ رحلك وثقلك إليك واذهبْ عنِّي([8]).
ومن أمثلة هذا البناء في نهج البلاغة ما ورد في خطبةٍ له (عليه السلام) في خبر ضرار بن ضمرة الضابيّ([9]), عند دخوله على معاوية, وسؤاله إيَّاه عن أمير المؤمنين (عليه السلام), فقال: أشهد لقد رأيتُه في بعض مواقفه, وقد أرخى الليل سدولَه, وهو قائم يُصلي في المحراب, قابضٌ على لحيته, يَتَملمَلُ تَملمُل السليم ويبكي بكاء الحزين, ويقول: «يا دنيا يا دنيا, إليكِ عنّي, أبي تعرَّضتِ؟ أم إليَّ تشوَّفتِ؟ لا حانَ حينُك... قد طلقتُك ثلاثًا لا رجعة فيها»([10]).
ورد في النص (إليكِ) وهو اسم فعل بمعنى (تنحّي أو ابتعدي). والنص يشير إلى زهادة الإمام (عليه السلام) في الدنيا, وابتعاده عنها, وكراهيته لها, وينبغي ألاّ يُتصور أنَّ الزهد في الدنيا يعني التخلي التام عنها,... والحال لا ينسجم هذا المعنى والروحَ الاجتماعية للإسلام, والحقُّ أنَّ للزهد معنىً آخر, هو ترك التعلق المفرط بالدنيا, وعدم الوقوع أسيرًا في قبضة زخارفها ومفاتنها([11]), إذ ورد في الحديث أنَّ «حب الدنيا رأسُ كلِّ خطيئة»([12]).
فالدنيا ليست سيئةً إذا اتخذها الإنسان مضمارًا لرضا الله تعالى, قال الإمام علي (عليه السلام): «إنَّ الدنيا دارُ صدقٍ لمن صَدَقها,... ودارُ موعظةٍ لمن اتَّعظَ بها, مسجدُ أحِبّاء الله, ومصلّى ملائكة الله, ومَهبِطُ وحيِ الله, ومَتجَرُ أولياء الله»([13]).
ولو عدنا إلى النصِّ العَلَوي الأول لوجدنا أنَّه عبارة عن صورة حيَّة جسَّدت بالتخييل والتجسيد والحوار غرور الدنيا وخداعها, فالإمام (عليه السلام) يخاطب الدنيا بصورة امرأة تزيَّنت, وتعرَّضت لوصوله إليها مع كونها مكروهة إليه([14]) خطابًا مكرَّرًا, تأكيدًا وتنبيهًا على ابتعاده عنها, وقد ناسب هذا التأكيد استفهامه (عليه السلام) مستنكرًا ومحتقرًا تعرُّضَها به.
فالمقام وما فيه من شدة الزجر, وقوة الانفعالات اقتضى اختيار اسم الفعل (إليكِ) لِمَا فيه من قوة وشدة في الأمر بخلاف الفعل (تنحّي أو ابتعدي), ويمكن أنْ نلمح في (كاف) الخطاب الخاص بالدنيا طرفًا من التخصيص المبرَّز, بدلالة أنَّ الأمر منتهٍ إلى الدنيا لا إلى سواها, والخطاب إنما هو لها لا لغيرها([15]).

الهوامش:
([1]) شرح المفصل: 4/25.
([2]) الأصول في النحو: 2/134.
([3]) الخصائص: 3/46.
([4]) ينظر: شرح المفصل: 4/25.
([5]) ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3/89.
([6]) ينظر: كتاب سيبويه: 1/249-250,والمقتضب:3/205, والخصائص: 3/43, والنحو الوافي: 4/148.
([7]) شرح الرضي على الكافية: 3/106.
([8]) ينظر: السابق: 3/89, ومعاني النحو:4/39.
([9]) هو ضرار بن ضمرة الضبابي أو الكناني, من خُلَّص أصحاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حسن الحال, فصيح المقال, طَلِق اللسان. ينظر: خصائص الأئمة, الشريف الرضي, تح: د. محمد هادي الأميني:71.
([10]) شرح (ابن أبي الحديد): 18/224, وجاء هذا البناء في موضع آخر: 16/293.تشوَّفتِ: تزيَّنت.
([11]) ينظر: نفحات الولاية: 4/265 – 266.
([12]) الكافي: 2/131.
([13]) شرح (ابن أبي الحديد): 18/325.
([14]) ينظر: شرح (البحراني): 5/276-277.
[15] لمزيد من الاطلاع ينظر: ابنية المبالغة وأنماطها في نهج البلاغة، حيدر هادي الشيباني، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص126 - 129.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1281 Seconds