من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة: قوله (عليه السلام): ((وتَنزَّه عن مِثْل ونظير))

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة: قوله (عليه السلام): ((وتَنزَّه عن مِثْل ونظير))

651 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 08-03-2022

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل – الجامعة المستنصرية

((الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:
قوله (عليه السلام): ((وتَنزَّه عن مِثْل ونظير))
تدلُّ مادَّة «نزه» في اللُّغة على البعد. فالتَّنزُّه: التَّباعد، والاسم: النُّزهة، ومكانٌ نَزِهٌ  ونَزِيهٌ، وَقد نَزِهَ نَزاهةً ونَزاهِيَةً، وَقد نَزَهتِ الأَرضُ، وَأَرْض نَزَهةٌ: بعيدَة عذبة نائية من الأَنداء، والمياه، والعمق[1].
وقال ابن الأَثير: «أَصْلُ النــَّزْهِ: البُعْد. وَتَنْزِيهُ اللَّه تَعَالَى: تبعيدُه عَمَّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ النــَّقَائِصِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ، فِي تَفْسِيرِ سُبْحَانَ اللَّه، هُوَ تَنْزِيهُهُ، أَيْ: إِبْعَادُهُ عَنِ السُّوءِ، وَتَقْدِيسُهُ»[2].
وجاء في لسان العرب: «وَالْعَامَّةُ يَضَعُونَ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ويَغْلَطُونَ؛ فَيَقُولُونَ: خَرَجْنَا نتَنزَّهُ، إِذَا خَرَجُوا إلى الْبَسَاتِينِ، فَيَجْعَلُونَ التَّنزُّهَ الخروجَ إلى الْبَسَاتِينِ، والخُضَر، والرِّياض، وَإِنــَّما التَّنزُّهُ التَّباعدُ عَنِ الأَرياف وَالْمِيَاهِ حَيْثُ لا يَكُونُ ماءٌ وَلا نَدىً وَلا جَمْعُ ناسٍ، وَذَلِكَ شِقُّ الْبَادِيَةِ، وَمِنْهُ قِيلَ: فلانٌ يتَنَزَّهُ عن الأَقذار، ويُنَزِّهُ نفْسَه عَنْهَا، أَيْ: يُباعد نَفْسَهُ عَنْهَا... والتَّنزِيهُ: تَسْبِيحُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وإبعادُهُ عَمَّا يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ...»[3].
وقال الفيُّوميّ: «وقال ابن قتيبة: ذهب بعض أَهل العلم في قول النَّاس: خرجوا يَتَنَزَّهُونَ إلى البساتين، إنـَّه غلط، وهو عندي ليس بغلط؛ لأَنَّ البساتين في كلِّ بلد، وإنـَّما تكون خارج البلد، فإذا أَراد أَحد أَنْ يأْتيها فقد أَراد البعد عن المنازل و البيوت، ثــُمَّ كثر هذا حتَّى استعملت النُّزْهَةُ في الخضر والجنان»[4].
وورد هذا الفعل «نزه» في الخطبة مرَّةً واحدةً موافقاً دلالته اللُّغوية؛ إذ قال أَمير المؤمنين (عليه السلام) في مقام تمجيد الله ــ تبارك وتعالى ــ بتنزيهه عن اتخاذ المِثــْل ــ وهو المشارك في تمام الحقيقية؛ ولذا نفي عن الله سبحانه وتعالى، كما قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)[5]، والنَّظير الذي هو من جنس المِثل[6]، «وتَنزَّه عن مِثْل ونظير».
وفرَّق أَبو هلال العسكريّ بين (المـِثــْـل)، و(النَّظير) بقوله: «إنَّ (المثلين) مَا تكافآ فِي الذَّات... والنَّظير مَا قَابل نَظِيره فِي جنس أَفعاله، وَهُوَ مُتَمَكِّن مِنْهَا كالنَّحويِّ نَظِير النَّحْوِيِّ، وَإِنْ لم يكن لَهُ مثل كَلامه فِي النَّحْو أَو كتبه فِيهِ، وَلا يُقَال النَّحْوِيُّ مثل النَّحْوِيِّ؛ لأَنَّ التَّمَاثــُل يكون حَقِيقَة فِي أَخصِّ الأَوْصَاف، وَهُوَ الذَّات»[7].)[8].

الهوامش:
[1]. ينظر: الصحاح في اللغة: 2/204.
[2]. النهاية في غريب الحديث والأثر 5/ 105.
[3]. لسان العرب: 13/548.
[4]. المصباح المنير: 2/601.
[5]. الشورى: 11.
[6]. الفروق اللغوية: 189.
[7]. الفروق اللغوية: 127.
[8]لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 67-68.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1733 Seconds