أبو تمام الطائي وقصيدته في الغدير

أدب الغدير

أبو تمام الطائي وقصيدته في الغدير

1K مشاهدة

الباحث: علي عباس فاضل.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد
واقعة الغدير من أهم الأحداث في التاريخ الإسلامي، وإذ شكلت منعطفا كبيرا في اتجاه السيرة النبوية، وتحول الأمر من النبوة إلى الإمامة، فكان لهذا التحول أثره في نفوس المسلمين، بين مرحب بذلك ومنافق كتم رفضه وأبان مباركته، وكان النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ) يهيئ الأمة لهذا الحدث، ففي أكثر من موضع بين لهم ذلك، إلى حان وقت البلاغ المبين فجاء قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)([1])، فانتقل التبليغ من مرحلة التلميح والعدد القليل إلى مرحلة التصريح وأمام الملأ بأجمع، فكان ذلك في موسم الحج، إذ جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناس ليبلغهم أمر الله تعالى بتنصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) إماما مفرض الطاعة عليهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
اعتادت العرب قديما أن يوثقوا الأحداث المهمة في أشعارهم،  ولما لهذا الحدث العظيم من مكانة كبيرة في نفوس المسلمين انبرى ثلة من الشعراء لتدوينه في أشعارهم ولتكون أشعارهم خالدة بذكره، ولكن ما يلفت النظر أن الشعر الخاص بهذه الحادثة لم يقتصر على الشعراء الذين حضروا تلك الحادثة فقط، بل تجاوزها إلى عصور مختلفة، فكانت حادثة الغدير حجة داحضة للاحتجاج على من ينكر حق أهل البيت (عليهم السلام).
ومن الشعراء الذين كتبوا شعر في الغدير هو الشاعر العباسي أبو تمام الطائي، وهو"أبو تمام حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشج بن يحيى بن مروان بن مر بن سعد بن كاهل بن عمرو بن عدي بن عمرو بن الغوث  بن طيء - واسمه جلهمه - بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن يشجب ابن يعرب بن قحطان الشاعر المشهور؛ وذكر  أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي في كتاب " الموازنة بن الطائيين " ما صورته: والذي عند أكثر الناس في نسب أبي تمام: أن أباه كان نصرانياً من أهل جاسم، قرية من قرى دمشق، يقال له: تدوس العطار، فجعلوه أوساً، وقد لفقت له نسبة إلى طيىء، وليس فيمن ذكر فيها من الآباء من اسمه مسعود، وهذا باطل ممن عمله، ولو كان نسبه صحيحاً لما جاز أن يلحق طيئاً بعشرة آباء"([2])، كان من الشعراء الذين يمتدحون البلاط العباسي، ولكن مع هذا نجد عنده قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين (عليه السلام) ويبين حقه في الخلافة، وما كان من حادثة الغدير، يقول في هذه القصيدة:

أظبية حيث استنت الكثب العفر                  رويدك لا يغتالك اللوم والزجر

أسري حذارا لم يقيدك ردة                       فيحسر ماء من محاسنك الهذر

هذه هي المقدمة الخاصة بالقصيدة فعادت الشعراء العرب أن يبدؤوا قصائدهم بمقدمات طللية أو غزلية أو كلاهما، وقد ذكرت منها المطلع وبيت معه، ثم يردف قائلا:

صفيك منهم مضمر عنجهية                                فقائده تيه وسائقه كبر

إذا شام برق اليسر فالقرب شأنه                    وأنأى من العيوق إن ناله عسر

أريني فتى لم يقله الناس أو فتى                         يصح له عزم وليس له وقر

ترى كل ذي فضل يطول بفضله                      على معتفيه والذي عنده نزر

وإن الذي أحذاني الشيب للذي                      رأيت ولم تكمل له السبع والعشر

وأخرى إذا استودعتها السر بينت                  به كرها ينهاض من دونها الصدر

ثم يستمر الشاعر في ذكر فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) وكيف حجدوا حقه وما فعلوا بعد رسول الله ( صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ)ن يقول:

طويتم ثنايا تخبأون عوارها                         فأين لكم خب وقد ظهر النشر؟!

فعلتم بأبناء النبي ورهطه                               أفاعيل أدناها الخيانة والغدر

ومن قبله أخلفتم لوصيه                                 بداهية دهياء ليس لها قدر

فجأتم بها بكرا عوانا ولم يكن                           لها قبلها مثل عوان ولا بكر

وبعد هذه الأبيات يبدأ الشاعر بذكر قرابة أمير المؤمنين (عليه السلام) من رسول الله ( صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ)، مستشهدا بأقوال الرسول الكريم بحقه، وخصوصا حديث المنزلة، يقول:

أخوه إذا عد الفخار وصهره                              فلا مثله أخ ولا مثله صهر

وشد به أزر النبي محمد                            كما شد من موسى بهارونه الإزر

وما زال كشافا دياجير غمرة                        يمزقها عن وجهه الفتح والنصر

هو السيف سيف الله في كل مشهد                  وسيف الرسول لا ددان ولا دثر

فأي يد للذم لم يبر زندها                              ووجه ضلال ليس فيه له أثر

ثوى ولأهل الدين أمن بحده                          وللواصمين الدين في حده ذعر

يسد به الثغر المخوف من الردى                ويعتاض من أرض العدو به الثغر

بأحد وبدر حين ماج برجله                             وفرسانه أحد وماج بهم بدر

ويوم حنين والنضير وخيبر                          وبالخندق الثاوي بعقوته عمرو

سما للمنايا الحمر حتى تكشفت                         وأسيافه حمر وأرماحه حمر

مشاهد كان الله كاشف كربها                             وفارجه والأمر ملتبس إمر

ومن ثم يبدأ بذكر حادثة الغدير بقوله:

و " يوم الغدير " استوضح الحق أهله              بضحيآء لا فيها حجاب ولا ستر

أقام رسول الله يدعوهم بها                                 ليقربهم عرف وينآهم نكر

يمد بضبعيه ويعلم: أنه                                ولي ومولاكم فهل لكم خبر؟!

يروح ويغدو بالبيان لمعشر                       يروح يهم غمر ويغدو بهم غمر

فكان لهم جهر بإثبات حقه                            وكان لهم في بزهم حقه جهر

أثم جعلتم حظه حد مرهف                       من البيض يوما حظ صاحبه القبر

بكفي شقي وجهته ذنوبه                            إلى مرتع يرعى به الغي والوزر

إلى منزل يلقى به العصبة الأولى                 حداها إلى طغيانها الافن والخسر

ويعود الشاعر ليذكر ما حلّ بسبطي رسول الله ( صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ) وكيف قتلوهم واراقوا دماءهم الزكية، يقول:

هراقوا دمي سبطيهم وتمسكوا                بحبل عمى لا المحض فتلا ولا الشزر

بني أصفياء الله سهل حينهم                           لهم فيهم دهياء مسلكها وعر

فهلا انتهوا عن كفر ما سلفت به                  صنائعهم ان لم يكن عندهم شكر

وهلا اتقوا فصل احتجاج نبيهم                     إذا ضمهم بعث من الله أو حشر

أحجة رب العالمين ووارث                           النبي ألا عهد وفي ولا إصر

ولو لم يخلف وارثا لعرتكم                        أمور تبين الشك ساحة من تعرو

كما سأل القوم الأولى ملكا لهم                        تسد به الجلى ويطلب الوتر

فلما رأوا طالوت عدوا سناءهم                   عليه وما يغني السناء ولا الفخر

ثم يختم قصديته بقوله:

إذا الوحي فيكم لم يضركم فإنني                  زعيم لكم ان لا يضوركم الشعر([3]).

وظف الشاعر في هذه القصيدة ما جاء من آيات وروايات وأحاديث في حق أمير المؤمنين (عليه السلام) وحادثة الغدير، وقد نُسب أبو تمام إلى التشيع بسبب هذه القصيدة، قال النجاشي في رجاله: " أبو تمام الطائي كان إماميا ، وله شعر في أهل البيت (عليهم السلام) كثير. وذكر أحمد بن الحسين رحمه الله أنه رأى نسخة عتيقة - قال: لعلها كتبت في أيامه أو قريبا منه - وفيها قصيدة يذكر فيها الأئمة [ عليهم السلام ] حتى انتهى إلى أبي
جعفر الثاني عليه السلام ، لأنه توفى في أيامه، وقال الجاحظ في كتاب الحيوان : و حدثني أبو تمام الطائي ، وكان من رؤساء الرافضة . له كتاب الحماسة ، وكتاب مختار شعر القبائل "([4])، ونقل السيد محسن الأمين أن ابن شهراشوب عده من شعراء أهل البيت المتقين([5]).
وختاما : لم تكن حادثة الغدير ويومها كأي حادثة عابرة، بل هي حدث عظيم خلد الله ذكره في كل عصر، فهو عيده الاكبر، لذا نرى الناس في كل عصر يجددون ذكره،  خاصة وما حدث بعد رحيل النبي ( صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ) وعدم التزام الأمة بوصية رسول الله ( صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ) في يوم الغدير.
الهوامش:
([1]) سورة المائدة: 67.
([2]) وفيات الأعيان: 2/ 11.
([3]) ديوان أبي تمام: 161- 166، القصيدة طويلة ذكرت منها بعض الأبيات التي ذكرت حوادث تخص أمير المؤمنين ووليديه الحسنين (عليهما السلام).
([4]) رجال النجاشي: 141.
([5]) ينظر: أعيان الشيعة: 1/ 171.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1090 Seconds