ولاية الأمر حق إلهي

أدب الغدير

ولاية الأمر حق إلهي

1K مشاهدة

خُطَى الخُزَاعي

{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} (القصص: 68).

ما جعل الله تعالى حق اختيار من ينوب عن الأنبياء من بعدهم لأحدٍّ من الخلق كما كان قبلًا ليس لأحد حق اختيار الأنبياء أنفسهم، مستأثرًا تعالى بهذا الشأن لنفسه خاصة، رافعًا إياه من أنبيائه فضلًا عن غيرهم من الناس؛ ليقدِّم الأصلح معرِّضًا الأمة لأصعب اختبار عملي يكشف به عن مدى إيمانها برسالة ذلك الرسول بتعاطيها تقبلًا أو رفضًا لمن سيختاره تعالى على لسان رسوله([1])، وقد ضرب القرآن الكريم مثالًا غاية في الدقة لمن تدبر ووعى؛ أثبت فيه القصور البشري في الانتخاب حاكيًا موقفًا من مواقف موسى (عليه السلام)- ذروة الكمال الإنساني في عصره- مع قومه فقال تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} (الأعراف: 155)، والبيان لإمامنا المهدي (عجّل الله تعالى فرجه) مجيبًا سؤال أحدهم عن العلة في عدم جعل هذا الأمر للناس حين قال له: ((فأخبرني يا مولاي عن العلة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم، قال: مصلح أو مفسد؟ قلت: مصلح، قال: فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد ألَّا يعلم أحدٌ ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟ قلت: بلى. قال: فهي العلة، وأوردها لك ببرهان ينقاد له عقلك، أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله تعالى وأنزل عليهم الكتاب وأيدهم بالوحي والعصمة، إذ هم أعلام الأمم وأهدى إلى الاختيار منهم مثل موسى وعيسى (عليهما السلام)، هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذا هَمّا بالاختيار أن يقع خيرتهما على المنافق وهما يظنان أنَّه مؤمن؟ قلت: لا. فقال: هذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلًا، ممَّن لا يشك في إيمانهم وإخلاصهم، فوقعت خيرته على المنافقين، قال الله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا ...} فلمَّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوة واقعًا على الأفسد دون الأصلح، وهو يظن أنَّه الأصلح دون الأفسد علمنا أن لا اختيار إلا لمن يعلم ما تخفي الصدور، وما تكن الضمائر وتتصرف عليه السرائر، وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الصلاح))([2]).

فمن حضي بتبليغ رسالة الله تعالى وأُختص بتكليمه كان قاصرًا في تمييز أهل الإيمان من أهل النفاق حين خلّاه الله تعالى وعلمه، فمن باب أولى لا يتصور أن يجوز لغيره من الناس ما لم يجز له إذ سيكون قطعًا ذلك الغير أكثر عجزًا وقصورًا، وعليه لم يكن الله تعالى ليعطي هذا الحق لعامة الخلق بعد أن سلبه من خيرتهم علمًا وإحاطة وتقوى.

وقد أدَّب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمته في أكثر من مناسبة حينما كان يصرِّح بينهم بأن الأمر من بعده ليس بيده؛ بل هو شأن مختص بالله تعالى يضعه حيث يشاء؛ وكأنَّه كان يطوي بين كلماته تحذيرًا للقوم من إقحام أنفسهم وهذا الأمر الذي سيؤدي بهم إلى المهالك، ومن تلك الأخبار ما أورده الثعلبي في تفسير قوله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} (الرعد: 11)، قال: ((إنَّ عامر بن الطفيل جاء إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) فقال: ما لي إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم، فقال: تجعل لي الأمر من بعدك، فقال: ليس ذلك إليّ إنّما ذلك إلى الله (عزّ وجلّ) يجعله حيث يشاء))([3])، وفي طوله أيضًا روي: ((لمّا كان النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) يعرض نفسه على القبائل جاء إلى بني كلاب، فقالوا: نبايعك على أن يكون لنا الأمر بعدك. فقال: الأمر للّه فإن شاء كان فيكم أو في غيركم، فمضوا ولم يبايعوه، وقالوا: لا نضرب لحربك بأسيافنا ثم تحكّم علينا غيرنا)) ([4])، وأيضًا: ((إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى اللّه وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء، فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا؟))([5]).

ويُفاد ممَّا تقدَّم من أخبار أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان واضحًا منذ بداية الأمر بخصوص مسألة خلافته فلم يسكت (صلى الله عليه وآله) حينما طُلب منه هذا الأمر ولأكثر من مرة؛ فلم يعد أحدًا ولم يُمنِّ جماعة بذلك؛ مبينًّا اختصاص هذا الأمر بالله سبحانه وتعالى حصرًا وكان لسان حاله دائمًا {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (الأنعام: 124)، ولم يقف (صلى الله عليه وآله وسلم) عند هذا الحد من البيان؛ بل دأب (صلى الله عليه وآله) على التعريف بمن اختصه الله تعالى بولاية الأمر من بعده بأحاديث نصية في المعنى ومن ذلك: ((عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليهم)، أنَّه جاء إليه رجل، فقال له: يا أبا الحسن، إنَّك تدَّعى أمير المؤمنين، فمن أمَّرك عليهم؟ قال (عليه السلام): الله (جلَّ جلاله) أمَّرني عليهم، فجاء الرجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، أيصدق علي فيما يقول إنَّ الله أمَّره على خلقه، فغضب النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: إنَّ عليًّا أمير المؤمنين بولاية من الله (عزَّ وجلَّ)، عقدها له فوق عرشه، وأشهد على ذلك ملائكته، أنَّ عليا خليفة الله، وحجة الله، وأنَّه لإمام المسلمين...)) ([6])، ويكفي طالب الحق والنجاة تبليغ النبي في أخرياته بولايته على الأمة عن الله تعالى بغدير خمٍّ فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحي يوحى.

والنتيجة أنَّ القوم اختاروا قبال اختيار الله تعالى سالكين سبل من تقدَّمهم من الأمم حذو النعل بالنعل مختلقين أعذارًا أوهى ما يكون فهلكوا وأهلكوا {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (المائدة: 44).

 

 


[1])) كما جاء هذا المعنى على لسان إمامنا الرضا (صلوات الله عليه) حين قال: ((ومثل المؤمنين في قلوبهم ولاء أمير المؤمنين في يوم غدير خم كمثل الملائكة في سجودهم لادم، ومثل من أبى ولاية أمير المؤمنين في يوم الغدير مثل إبليس))، اقبال الأعمال، السيد ابن طاووس (ت: 664): 2/262.

[2])) الخصال، الشيخ الصدوق (ت: 381): 461-462.

[3])) الكشف والبيان في تفسير القرآن (تفسير الثعلبي): 5/276.

[4])) مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب (ت: 588): 1/221.

[5])) تاريخ الطبري، أبو جعفر الطبري (ت: 310هـ): 2/350.

[6])) الأمالي، الشيخ الصدوق: 194.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1281 Seconds