من أصول الحوار مع الآخر، قول الحق أنموذجًا

سلسلة قصار الحكم

من أصول الحوار مع الآخر، قول الحق أنموذجًا

322 مشاهدة

البَاحِث: سَلَام مَكّيّ خضَيّر الطَّائِيّ.
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الخلق أجمعين، أبي القاسم مُحَمَّد وآلِهِ الطَّيِّبين الطَّاهِرِين، الغرّ الميامين المنتجبين...
إن من أهم ما أكدت عليه الشريعة الغراء، هو قول كلام الحق والهدوء والابتعاد عن قول الباطل والتعصب والانحياز لجهة معينة أو لفرد معين في الحوار، وذلك لأنَّ الحوار والنقاش مع الآخر إذا كان مصحوبًا بالتعصب والانحياز لجهة ما، قد يؤدي إلى فساد العلاقة بين المتحاورين وعدم الوصول إلى نتيجة يقتنع فيها المتحاورون.
وإن قول الحق يعد من أهم أصول الحوار التي أكد عليها الإمام علي (صلوات الله تعالى وسلامه عليه) إذ إنَّه وصف الشخص الذي لا يقول بعدة أوصافٍ، منها:
إنَّ الشخص الذي استحى من أن يقول الحقّ أو لأي سبب كان، وصفه الإمام (صلوات الله تعالى وسلامه عليه) بالأحمق، فقال (عليه السَّلَام): (من استحى من قول الحق فهو أحمق)، وهذا الوصف من أدنى أوصاف المرء السيء، بالرغم من أنَّ الإمام (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) يفضل الالتزام بالصمت ويرجحه على الكلام في كثير من الأحيان لكنه يحثّ في المواقف التي تستوجب قول الحق على أن لا يسكت الإنسان، فروي عنه (عليه السَّلَام) أنَّه قال: (قولوا الحق تغنموا واستكتوا عن الباطل تسلموا)[1]، وعنه أيضاً: (لا يغلب من يستظهر بالحقّ)[2].
ومن الصَّفات الأخرى التي ذكرها الإمام عَلِيّ (صلوات الله تعالى وسلامه عليه) في الشخص الذي لا يقول الحق أنَّه من أخسر الناس ويقول في حديث: (أخسر الناس من قدر على أن يقول الحق ولم يقل)[3].
وروي عنه (عليه السَّلَام) أنَّه قال في كلامٍ آخر: (القول بالحقّ خير من العيّ والصَّمت)، فأكَّد (عليه السَّلَام) على قول الحق وعدم الصمت والسكوت عنه، فقد يكون في قول الحق اصلاح ذات بينٍ أو منع حدوث أمرٍ لا تُحمد عقباه، أمَّا لو سكت عن قول الحق وصَمَت لحصل عكس ذلك.
فعلى المرء المؤمن أن لا يكون مراوغًا في حديثه مع الآخر وأن لا يبتعد عن قول الصواب وأن يكون منصفًا للحقّ في كلامه، ولا يلجأ إلى المجاملة فيه، لأنا ممكن أن نقول: أن من الأشياء التي قد تعزّ المرء وتكرمه ولا تجعل من الذلة أن تناله، هو قول الحق حتى وإن كان على نفسه، يقول الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام): (إلَّا أنَّه من ينصف النَّاس من نفسه لم يزده إِلَّا عزّاً)[4].
إن الشعور بالعزّة لدى الإنسان يبعده عن كثير من المساوئ ومن بينها عدم الصدق في القول والنفاق في الحديث وهي جميعاً ثمرة شعور الإنسان بالذّل والهوان[5]، فقال الإمام عَلِيّ (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام): (نفاق المرء من ذلٍّ يجده في نفسه)[6].
إلى جانب ذلك فإنَّ الإمام عَلِيّ (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) يحذّر أيضاً من أي نوع من التّعصّب الذي يؤدي إلى إثارة الأحاسيس باستثناء ما يتعلق بالحق ووجوب الثبات والإصرار عليه حيث يقول: (إن كنتم لا محالة متعصبين فتعصبوا لنصرة الحق وإغاثة الملهوف)[7].
كما يحذر (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) من الاستبداد والفردية والاستئثار بالرأي[8]، إذ إنَّه قال: (مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِه هَلَكَ، ومَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا)[9].
وفي الختام: أن الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على الحبيب مُحَمَّد المُصطَفى وآله الطَّيِّبين الطَّاهِرِين، والغرّ الميامين المنتجبين، واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيامِ يوم الدِّين، إنَّه سميعٌ عليم...
الهوامش:
[1] عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي: 372.
[2] المصدر نفسه: 538.
[3] ميزان الحكمة، مُحَمَّد الرّيشهري: 1/742.
[4] الكافي، الشيخ الكليني: 2/144.
[5] الحوار في كلام الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، د. أنيسة الخزعلي: 17.
[6] موسوعة أحاديث أهل البيت (صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين)، الشَّيخ هادي النَّجفيّ: 11/408.
[7] المصدر نفسه: 2/186.
[8] الحوار في كلام الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام): 19.
[9] نهج البلاغة: ح161، تحقيق: صبحي الصَّالح.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1463 Seconds