المعايير التَّربويَّة في وصية الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) لابنه الإمام الحَسَن (عليه السَّلَام)، الاعتصام بحبل الله أنموذجًا

سلسلة قصار الحكم

المعايير التَّربويَّة في وصية الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) لابنه الإمام الحَسَن (عليه السَّلَام)، الاعتصام بحبل الله أنموذجًا

132 مشاهدة

الحمدُ لله ربّ العالمين، وصلَّى الله تعالى على سيِّدنا مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهِرِين، والغرّ الميامين المنتجبين، واللعن الدَّائم على أعدائهم إلى قيامِ يوم الدِّين إنَّه سميعٌ عليم...أما بعد

فإنَّ من المعايير التربوية والأسس التي اشتملت عليها وصيَّة أمير المؤمنين الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (صلوات الله تعالى وسلامه عليه) لابنه الإمام الحَسَن السّبط المُجْتَبَى (صلوات الله تعالى وسلامه عليه)، هو: (الاعتصام بحبل الله تعالى والتِّمسّك به)، فقال الإمام عَلِيّ (صلوات الله تعالى وسلامه عليه): (... والِاعْتِصَامِ بِحَبْلِه)[1].

فالاعتصام في مفهوم علماء اللغة، هو: الامتناع والتّمسك بالشيء قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾[2]، والعصم، هو: المنع والإمساكُ، والعصمة: الحفظ[3].

ففي هذا المقطع من الوصيَّة المباركة يؤكّد الإمام (عليه السَّلَام) على أمر عظيمٍ له أثر في مراحل التكامل النفسي والروحي للإنسان وهو: (الاعتصام بحبل الله تعالى)، فيُبين أنَّ هذا التمسك هو من أقوى سبل الارتباط بالله تعالى وما فيه من الآثار على العبد.

فالاعتصام والتَّمسّك بحبل الله هو السَّبيل لهداية الإنسانيَّة[4]، ومن أمعن النَّظر في مقطع الوصيَّة: (والِاعْتِصَامِ بِحَبْلِه)[5]، والآية القرآنية: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً﴾[6]، يجد أن هناك علاقة وثيقة بينهما، فجاء في تفسير الطبرسي: (والحبلُ السببُ الذي يوصِلُ إلى البُغية، كالحبلِ الذي يتمسّكُ به للنَّجاةِ من بئرٍ أو نحوها، ومنه الحبل للأمان لأنَّه سبب، أي تمسكوا به، وقيل: امتنعوا به من ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ... [7]النَّجاة غيره، وقيل في معنى حبل الله تعالى أقوال أحدها:

 إنَّه القرآن عن أبي سعيد الخدري وعبد الله وقتادة والسَّدي ويروى ذلك مرفوعًا.

  وثانيها: إنَّه دين الله الإسلام عن ابن عباس وأبي زيد، وثالثها: ما رواه أبان بن تغلب عن جَعْفَر بن مُحَمَّد (عليهما السَّلَام) قال: )(نحن حبل الله الذي قال: ﴿واعتصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا[8]))، والأولى حمله على الجميع، والذي يؤيده ما رواه أبو سعيد الخدري عن النَّبيّ) صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنه قال: ((أيها الناس إني قد تركت فيكم حَبْلَين إنْ أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السَّماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا عَلَيَّ الحوض)))[9].

 فحبل الله تعالى هو القرآن الكريم ودين الله الإسلام، ومُحَمَّد وآل بيته الأطهار (صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعليهم)، لأنَّهم خُزَّان علم الله تعالى ومنتهى الفهم الذي أراده (تعالى ذكره)[10].

 فيتضح لنا: أنَّ الاعتصام بحبل الله تعالى، هو: التمسَّك بالقرآن الكريم ومتابعة أهل البيت (عليهم السَّلَام) الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهَّرهم تطهيرًا، والامتثال للأوامر والنَّواهي التي نصت عليها الآيات القرآنية والأحاديث والروايات الشريفة المروية عن النَّبيّ وآل بيته الأطهار (صلَّى الله عليه وآله).

ولما لم يحصل غالبًا لشيعتهم حق المتابعة أمر الله تعالى عباده بأنَّ يسألوا منه تعالى التَّوفيق والهداية الخاصَّة إلى معرفتهم كما ينبغي ومتابعتهم حقّ المتابعة، فإنَّهم (عليهم أفضل الصَّلَاة والسَّلَام)، أبواب الله تعالى، ولا يمكن الوصول إلى الله تعالى إلَّا بمعرفتهم (عليهم السَّلَام) وطاعتهم ومتابعتهم واقتفاء أثرهم، وهم (عليهم السَّلَام) وجه الله تعالى الذي لا يمكن التوجه إلى الله تعالى إلَّا بهم، ولما كان المقصود الأعظم من جميع المعارف معرفة الله تعالى[11].

آثار الاعتصام بحبل الله تعالى:

إنَّ من تمسَّك بالله تعالى عن طريق التَّمسّك بالقرآن الكريم والعترة النَّبويَّة الطَّاهرة، وسيره على نهجهم التربوي وعدم مخالفتهم، وطبق ما جاء في هذين النَّهجين، ما من الممكن أن يفعل الأشياء التي تبعده عن جادَّة الطَّريق القويم ولا يتعدَّى حدود الله تعالى الشرعية ويكون ملتزمًا.

 فمثلًا: إنّه لا يكون أسلوبه بالمعاملة مع الآخرين إلَّا على وفق الأخلاق والتَّعاليم التَّربويَّة الإسلامية، كاحترام الكبير وتوقير الصَّغير، بالإضافة إلى مكارم الأخلاق الأخرى، كالمسامحة والعفو والتَّجاوز عمَّن يخطأ معه وغيرها، فهنا يتحقق الفوز للمرء، فيفوز برضا الله تعالى وتوفيقه، وينجو من المهالك التي تؤدي به إلى الخسران المبين وسوء العذاب في الدّنيا والآخرة.

 فأمَّا فالفوز بالدُّنيا، هو: حصول المرء على المكانة المرموقة بين أفراد المجتمع الواحد الذي يعيش فيه، فلهذا آثار إيجابيَّة تنعكس على المرء، وأما الفوز بالآخرة: فينال الأجر العظيم من الله تعالى والمغفرة جزاءً لما عمل في الدّنيا، فقال تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[12].

وما هذا إلَّا الشيء اليسير على موضوع الاعتصام بحبل الله تعالى، ففيه قد أصبح للقارئ الكريم تصور عن هذا الموضوع التَّربوي والأخلاقي في فكر أمير المؤمنين (عليه السَّلَام)، وصلَّى الله تعالى على سيِّدنا مُحمَّد وآله الأطهار...

الهوامش:

 

[1] نهج البلاغة: 392، تحقيق: صبحي الصَّالح.

[2] سورة آل عمران: 103.

[3] يُنظر: تاج اللغة وصحاح العربيَّة، إسماعيل بن حماد الجوهري: 5/1986، ومفردات ألفاظ القرآن، الرَّاغب الاصفهاني: 569.

[4] الملامح التَّربويَّة في نهج البلاغة وصيَّة أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) لولده الإمام الحَسَن (عليه السَّلَام) أنموذجاً، عماد الكاظمي: 36.

[5] نهج البلاغة: 392، تحقيق: صبحي الصَّالح.

[6] سورة آل عمران: 103.

[7] سورة آل عمران: 103.

[8] سورة آل عمران: 103.

[9] تفسير مجمع البيان في تفسير القرآن، الشَّيخ العلَّامة الطبرسيّ: 2/356.

[10] دروس من وصية الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام) لابنه الحَسَن (عليه السَّلَام)، أ.د. حسين ناصر هاشم المُحَنَّك: 32.

[11] روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، محمد تقي المجلسي (الأول): 2/322.

[12] سورة النّساء: 101.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1108 Seconds