المعايير التَّربويَّة في فكر الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، (اليقين أنموذجًا).

سلسلة قصار الحكم

المعايير التَّربويَّة في فكر الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، (اليقين أنموذجًا).

1K مشاهدة

الباحِث: سَلَام مَكِّيّ خضَيّر الطَّائِي

الحمد لله ربّ العالمي، والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الانبياء والمرسلين، أبي القاسم مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهِرِين، والغرّ الميامين المنتجبين، واللعن الدَّائم على أعدائِهم إلى قيامِ يوم الدِّين...
أمَّا بعد...
فإنَّ لتهذيب النفس مناهج تربوية متعددة يختلف كل منهج من هذه عن بعض، ومن تلك المناهج، (قوة يقين المؤمن).
فلو تأملنا في وصيّة الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) الخالدة لابنه الإمام الحَسَن المُجْتَبى (عليه السَّلَام)، لرأينا أنَّه (عليه السَّلَام) قد أكّد على القلب وما تنطوي فيه من حقائق ومعارف إلهيَّة، فضلًا عن الفطرة السَّليمة التي فطر الله  تعالى عليها عباده، فهو بمثابة شيء أو جوهرة ثمينة يجب المحافظة عليها مما يؤثر في صفائها وبريقها، وآفة ذلك هو حبّ الدنيا والتَّعلّق بها والابتعاد عن الله تعالى.
فمن سبل وصول المؤمنين إلى مرضاة الله تعالى هو مجاهدة النفس الإنسانيَّة وتزكيتها وتهذيبها، وهذا ما يسمَّى بـ (الجهاد الأكبر)، وفي هذه الوصيَّة المباركة الخالدة، ملامح تربوية أراد الإمام (عليه السَّلَام) أنْ يبين فيها تحصين القلب مما يبعده عن طهارته وسلامته عن طريق عدَّة أمور، منها: ما قاله (عليه السَّلَام): (أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ وأَمِتْه بِالزَّهَادَةِ وَقَوِّهِ بِالْيَقِينِ)[1].
فلقوة اليقين دور أساسي في تربية النفس الإنسانية وتهذيبها، والحفاظ على كُنهها، وأثر ذلك على سلوك الإنسان النَّظري والعمليّ، وقوة اليقين هي أحد الأبواب إلى القلب، فيجب على الفرد أنْ يحكمها؛ لتكون حصناً حصيناً لقلبه[2].
وأنَّ قوَّة يقين الفرد وإيمانه بالله تعالى هو أن يعبد اللَّه كأنّه يراه ويجعله سبحانه نصب عينيه في كل عمل قدِم عليه، ويؤمن بالآخرة كأنه فيها، وأول ما ينشأ هذا اليقين من التفكير في خلق السَّماوات والأرض، أو من التَّربية والبيئة، ثم ينمو ويقوى بالعمل على مقتضاه[3].
أهميته اليقين:
إنَّ لليقين أهمية كبيرة في مختلف اتجاهات حياة الفرد، وأهمها الحياة العملية والدينية، وإنا نجد هناك كمًا هائلًا من الروايات والأحاديث الشريفة المروية عن النَّبي الأكرم مُحَمَّد والعترة الطَّاهِرة (صلَّى الله تعالى عليه وعليهم)، -سنذكرها في تسلسل الحديث- التي تؤكّد على أهمية وأفضلية اليقين، على سائر المعايير والموازين التربويّة الأخرى.
فإنّ من تتبع كلام النَّبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) والإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، يجد موضوع (اليقين) قد أخذ منحىً واسعًا من كلامهما (صلوات الله تعالى عليهما وآلهما)، فروي عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: (لا عبادة إلَّا بيقين)[4]، وقد روي في هذا المضمار عن أمير المؤمنين الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام) أنَّه قال: (باليقين تتم العبادة)[5].
فنفهم من هاتين الروايتين: أن لا عبادة للمؤمن إلَّا باليقين، وهنا قد أصبح واضحًا أثر اليقين في قبول العمل الصَّالح وتنمية العبادة .
ومن أهمية اليقين أيضًا، أنَّه ثمرة دين الإنسان المؤمن، والقوَّة الإيمانية له هي من قوة يقينه، وهذا ما يتضح لنا عن طريق ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) من كلامٍ بهذا الشأن، إذ إنَّه (عليه السَّلَام) قال: (ثمرة الدّين قوة اليقين)[6].
وممَّا سبق فإنَّاليقين يعد من أهم دعائم الإيمان، وهذا ما يجده القارئ في جواب الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) حينما سئل عن الإيمان فقال: (الإيمان على أربع دعائم: على الصّبر، واليقين، والعدل، والجهاد)[7].
وقد أكَّد الإمام (عليه السَّلَام) على تقوية إيمان الفرد باليقين، وذلك لأنَّه من أفضل الدين، فروي عنه (عليه السَّلَام) أنَّه قال: (قووا إيمانكم باليقين، فإنَّه أفضل الدين)[8].
وإضافة إلى ما تقدّم فإنَّ أهمية اليقين ترتكز على أنَّه عمود دين الفرد، ذلك لأن إيمانه من دون يقين بالله تعالى فستكون عبادته غير نافعة، ممَّا يؤدِّي به إلى أن يكون إيمانه ضعيفا تشوبه الشكوك والأوهام، ومصداق هذا الكلام، ما جاء عن الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) في قوله: (اليقين عماد الإيمان)[9].
وبهذا القدر من الحديث عن موضوع (اليقين)، يكون قد أصبح للقارئ تصورًا عنه وعن أهميته في العبادة . وآخر قولنا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلَّى الله تعالى على سيِّدنا ونبيّنا أبي القاسم مُحَمَّدٍ وآله الطَّيِّبين الطَّاهِرِين، والغرّ الميامين المنتجبين...

الهوامش:
[1] نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصَّالح: 392 .
[2] الملامح التربويَّة في نهج البلاغة: 43-44.
[3] في ظلال نهج البلاغة، محمَّد جواد مغنيَّة: 3/488.
[4] ميزان الحكمة، محمّد الريشهري: 4/3714.
[5] المصدر نفسه: 4/3713.
[6] المصدر نفسه: 4/3713.
[7] المعجم الموضوعي لنهج البلاغة، أويس كريم محمد: 33.
[8] ميزان الحكمة، محمّد الريشهري: 4/3713.
[9] عيون الحكم والمواعظ، عَلِيّ بن محمَّد الليثي الواسطي: 33.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1268 Seconds