وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن آدم – جمع المال أنموذجًا

سلسلة قصار الحكم

وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن آدم – جمع المال أنموذجًا

315 مشاهدة

عمَّار حسن الخزاعي

سعى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى بناء الإنسان على وفق منظومةٍ خُلقيَّة ساميةٍ، تتلاءم مع معطيات الهدف الإلهي الذي خلق الله تعالى الإنسان من أجله، وأوضح السبيل إلى التكامل في أقصى درجاته، كاشفًا أسرار الارتقاء التربوي وموضِّحًا الأدوات التي يحقق الإنسان بها إنسانيَّته، بأسلوبٍ يسيرٍ وأدواتٍ سهلة لا تعقيدَ فيها، كاسرًا بذلك نمط الجمود وانحسار التكامل بفئةٍ معيَّنةٍ من الرهبان أو القسيسين على ما كان معهودًا سابقًا؛ إذ لم يكن يُتاح الارتقاء الروحي لكلِّ النَّاس ما لم يكونوا على نمطٍ عالٍ من الاستعداد وقابليَّات النفوس لرياضاتٍ صعبةٍ وعسيرة تمتد لمدةٍ طويلةٍ من الزمن، يُصاحبها هجران النَّاس والمجتمع بأسره في رحلةٍ تطهيريَّةٍ قد لا تنتهي من المكوث في كهفٍ منزوٍ بجبل، أو العيش في غابةٍ مهجورةٍ يقتات على الحشائش وأوراق الشجر، وهذا الأمر لا يُتاح لأيِّ شخصٍ إلَّا من أوتي صبرًا وطاقة تحمُّلٍ عالية، ولذلك كان التكامل محصورًا بمن يستطيع ذلك، وأمَّا باقي النَّاس من عامَّة البشر فهم في مسرح الخطيئة تائهون، لا سبيل لهم في بعض الدِّيانات إلَّا أن يجلس أمام كاهنٍ أو رهبان معترفًا بسوءته وكاشفًا لمعاصيه وفاضحًا لنفسه، من أجل أن يحصل على إذن التوبة أو صكِّ الغفران من ذلك الكاهن أو ممَّن يمثِّله في طبقته . أمَّا في الإسلام فلا رهبانيَّة ولا اعتزالٍ للمجتمع بالشكل الآنف للذكر، وكذلك لا انحسار للتكامل في فئةٍ دون أُخرى؛ بل التكامل متاح للجميع كلًّا بحسب طاقته وقدرته على التقوى، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) [الحجرات: 13] .

وعودًا على بدء فقد كسر أمير المؤمنين (عليه السلام) تلك الأطر الصارمة منتفضًا على صومعات الرهبانيَّة، كاشفًا للنَّاس سبل العيش الرغيد المفعم برضا الله تعالى عبر وصايا وحكم تدخل إلى القلوب من دون استئذان، تناغي الوجدان وتذوب معها الأرواح، يراها كلُّ من يسمعها بأنَّها ميدان سعادة الدُّنيا وصلاح الآخرة، وما يملك الإنسان حين يسمعها إلَّا أن يعزم بلا شعور على تطبيقها والانضواء في مفاهيمها وأفكارها، وممَّا جاء من أقواله بهذا الصدد من وصاياه لابن آدم قوله (عليه الصلاة والسلام): ((يَا بْنَ آدَمَ، لاَ تَحْمِلْ هَمَّ يَوْمِكَ الَّذِي لَمْ يَأْتِكَ عَلَى يَوْمِكَ الَّذِي قَدْ أَتَاكَ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ مِنْ عُمُرِكَ يَأْتِ اللهُ فِيهِ بِرِزْقِكَ))([1]) . فأمير المؤمنين (عليه السلام) يضع للإنسان نظامًا حياتيًّا يصل به إلى الاستقرار والرِّضا بما يقسم به الله تعالى له من الرزق؛ لأنَّ طلب المال والسَّعي إليه من أكبر المهالك التي تؤدِّي بالإنسان إلى الانزلاق نحو سخط الله تعالى، وهنا الإمام علي (عليه السلام) يبيِّن للإنسان السبيل السليم في التعامل مع الرزق، وهو أن يكون بصدد يومه الذي يعيشه، ولا يهلك نفسه بجمع الأموال ورصدها ورصِّها تحسُّبًا للمستقبل وما يأتيه من قابل الأيَّام؛ لأنَّ ذلك سيؤدِّي به إلى خسران حياته في جمع أموالٍ قد لا يَفيدُ منها شيئًا سوى أن يتحمَّل تبعاتها وأوزارها، وممَّا يزيد في حسرته أن يتنعَّم بها غيره مقابل عذابه عند الله تعالى؛ لأنَّه لم يراعِ حدود الله تعالى فيها، وفي هذا المعنى يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) واصفًا حال من أفنى عمره بجمع الأموال في حال حضور الموت عنده: ((وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنِهِ، عَلَى صِحَّة مِنْ عَقْلِهِ، وَبَقَاء مِنْ لُبِّهِ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ، وَفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ، وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً جَمَعَهَا، أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا، وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَمُشْتَبِهَاتِهَا، قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا، وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا، تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا، وَيَتَمَتَّعُونَ بِهَا، فَيَكُونُ الْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ، وَالْعِبءُ عَلَى ظَهْرِهِ))([2])، ومن اليقين الثابت أنَّ من يجمع الأموال ويكدسها فإنَّه سيفارقها إلى غيره، وهذا المعنى أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله في قصار حكمه: ((يَابْنَ آدَمَ مَا كَسَبْتَ فَوْقَ قُوتِكَ، فَأَنْتَ فِيهِ خَازِنٌ لِغَيْرِكَ))([3])، أمَّا في حال كون الإنسان ميسورًا ولديه أمولًا فإنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يُرشده إلى كيفيَّة نيل التكامل في التعامل معها فيقول: ((يَابْنَ آدَمَ، كُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ، وَاعْمَلْ فِي مَالِكَ مَا تُؤْثِرُ أَنْ يُعْمَلَ فِيهِ مِنْ بَعْدِكَ))([4])، وهنا ينصح أمير المؤمنين (عليه السلام) في قصار حكمه من لديه أموال، وكان يبتغي فيها رضا الله تعالى والتكامل في العبادة أن يتصرَّف بها على وفق ما يراه نافعًا له ولآخرته، ولا ينتظر من الورثة بأن يكونوا حريصين في التصرُّف بأمواله؛ لأنَّهم في الأعم الأغلب سيتصرفون على وفق منافعهم الشخصيَّة، ولذلك عليه أن يكون وصيَّ نفسه ويتصرَّف بأمواله في السبيل التي تفيده بالآخرة، وبالطريقة التي يصل بها إلى مرتبة الأولياء بالتكامل نحو رضا الله تعالى . أمَّا لو كان الأمر معاكسًا بأن كسب الإنسان مالًا في غير رضا الله تعالى، ثمَّ تركه لوريثٍ سعى به إلى رضا الله تعالى وإلى التكامل العبادي فإنَّ في ذلك سيكون أكبر الخسران بالنسبة للموروث، وقد وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا الخسران بأنَّه أعظم الحسرات في قوله في قصار حكمه: ((إِنَّ أَعْظَمَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَسْرَةُ رَجُل كَسَبَ مَالاً فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ، فَوَرَّثَهُ رَجُلاً فَأنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، فَدَخَلَ بِهِ الْجَنَّةَ، وَدَخَلَ الأوَّلُ بِهِ النَّارَ))([5])، ومن هذا المنطلق علينا أن نرضى بما قسم الله تعالى لنا من الرِّزق، وأن لا نُفسد أيَّامنا بهمِّ الجمع للمستقبل، فتلك أيَّام قد لا نعيشها، وإذا عشناها فإنَّ الله تعالى هو الضَّامن لتهيئة سبل العيش فيها، ولذلك علينا التفكير بما نعيشه من أيَّام، ونتمسَّك بطاعة الله تعالى وأن لا نقصِّر في أدائها من أجل طلب المال، فهناك من الأشخاص من استحوذ عليه طلب المال فترك طاعة الله تعالى أو أدَّاها على عجلٍ في سهوٍ من مضامينها، فقصَّر في عباداته الواجبة في سبيل تكديس الأموال بحجَّة المستقبل الذي لا يضمن العيش فيه، وهنا سيخرج من إطار التكامل ويبتعد عن التقوى الذي يطلب منه المعادلة في ترتيب أولويات أموره الحياتيَّة، ولا يقف به هذا الأمر عند طلب الأموال؛ بل يتخطَّى ذلك إلى كلِّ أمرٍ دنيويٍّ أهلك نفسه في طلبه أو أفنى حياته في الحصول عليه، فينتهى به المطاف إلى خسران حياته والانتقال إلى الآخرة بتبعات ذلك الأمر، وفي هذا الخسران المبين، وهذا المعنى أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في قصار حكمه فقال: ((إِنَّ أَخْسَرَ النَّاسِ صَفْقَةً، وَأَخْيَبَهُمْ سَعْياً، رَجُلٌ أَخْلَقَ بَدَنَهُ فِي طَلَبِ آمَالِهِ، وَلَمْ تُسَاعِدْهُ الْمَقَادِيرُ عَلَى إِرَادَتِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا بِحَسْرَتِهِ، وَقَدِمَ عَلَى الاْخِرَةِ بِتَبِعَتِهِ))([6]) . ومن هنا فسبيل التكامل الذي يدلُّنا عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) هو أن نبتغي سبيل الوسط في معالجة أمورنا الحياتيَّة وأن لا نبغي ببعضها على بعض، وخصوصًا لو كان الاهتمام بما هو دنيوي على ما هو أخروي، وكذلك علينا أن لا نترك الاهتمام بأرزاقنا وتنفيذ واجباتنا التي تستقيم بها حياتنا اتِّكالًا على العبادة والطَّاعة فنكون عالةً على غيرنا، وعلى ذلك يبقى سبيل الوسط في المعيشة وتهيئة سبلها هو الغاية التي توصلك إلى الكمال الحقيقي، فلا طلب الرزق وتحصيل المال يؤدِّي بك إلى الاستخفاف بالصَّلاة وترك حضور الجامع، أو أداء الزكاة أو الذهاب للحجِّ وغير ذلك من الواجبات الأخرى، وكذلك يجب أن لا تكون العبادة بما هي خارج الواجبات والاستغراق في تنفيذ المستحبات مانعةً لك من تحصيل الرزق للعيال بحيث يكونوا في شظف من العيش محتاجين للصَّدقة والمعونة بحجَّة أنَّ معيلهم عابد زاهد . ثمَّ يُرشدنا أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصاياه لابن آدم في قصار حكمه إلى أمرٍ آخر، وهو التحذير من الغفلة والاستغراق في المعصية، وخصوصًا لو كان ذلك مع توالي النِّعم الإلهيَّة، وفي هذا المعنى يقول: ((يَابْنَ آدَمَ، إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَأَنْتَ تَعْصِيهِ؛ فَاحْذَرْهُ))([7]) . وهنا أمير المؤمنين (عليه السلام) يكشف لنا سرًّا خطيرًا للغاية، وهو أن لا يفهم الإنسان في حال تتابع النِّعم عليه بأنَّه مرضيٌّ  من لدن الله تعالى، وإنَّما عليه أن يراقب نفسه ويرى حاله ويحاسب حركاته، ويقارن طاعاته مع ذنوبه، وعليه أيضًا أن يزيد في حسنات وأعماله الخيِّرة، ويسعى في رضا ربِّه، وأن يعمل الخير الذي تستديم به النعم عليه، وأمَّا لو كان غارقًا في المعاصي وراكبًا للهوى ومعاندًا للطاعة ومع ذلك تنهال النعم عليه فليعلم أنَّه على حافَّةٍ من الهاوية، وأنَّه قد خرج ممَّن يريد الله تعالى هدايتهم؛ لأنَّه لو أراد هدايته لنبَّهه بالابتلاء وحذَّره بالمحن من معاصيه، ولكنَّه يُتابع نعمه عليه من أجل أن يركسه في معاصيه وذنوبه، ومن هنا يجب أن نكون على حذرٍ تام من تتابع النِّعم مع الإصرار على المعصية؛ لأنَّ ذلك سيؤدِّي بنا إلى التسافل لا إلى التكامل وسيجعلنا ممَّن أبعدهم الله تعالى عن رحمته وممَّن كره طاعتهم . وهذه علامة أخرى يدلُّنا عليها أمير المؤمنين (عليه السلام) لها فعاليَّة عالية في إدراك التكامل في سلَّم الطاعة، التي تنطوي على مفهوم ماهيَّته تتمحور حول مدارٍ شرطيٍّ فحواه: كلَّما زادت النِّعم يجب أن تزداد في قبالها الطاعة والشكر والأعمال الخيِّرة، وبهكذا وعيٍ ندرك التكامل في درجاته المناسبة للبذل في الطاعة. وممَّا سبق نعي جيِّدًا أنَّ التكامل متاح للجميع لا يمنعنا منه سوى العزم بالنيَّة والإرادة، وأمَّا الوسائل فهي سهلة المنال وواضحة المعالم. وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين محمد وآله الطاهرين..

الهوامش:
([1]) نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: 522 .
([2]) نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: 160 .
([3]) المصدر نفسه: 503 .
([4]) المصدر نفسه: 512 .
([5]) المصدر نفسه: 552 .
([6]) نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: 552 .
([7]) المصدر نفسه: 472 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1060 Seconds