الأخلاق من نهج البلاغة: 7. ترجمة الوصي للنبي - صلى الله عليهما وآلهما

سلسلة قصار الحكم

الأخلاق من نهج البلاغة: 7. ترجمة الوصي للنبي - صلى الله عليهما وآلهما

617 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 11-12-2021

بقلم: الشيخ محسن علي المعلم

((الحمد لله كما هو أهله، والصلاة والسلام على هداة الخلق إلى الحق، محمد وآله الطاهرين))
أما بعد:
لقد اقتضت الحكمة الإلهية واللطف الرباني هداية الخلق وسوقهم إلى الحق بإقامة من اصطفاهم الله بعينه واصطنعهم لنفسه مربِّين لعباده ومرشدين لبريته.
وكان نبي الإسلام خيرة الخيرة وصفوة الصفوة المنتجبة نبراس الحق ولسان الصدق وميزان العدل والصراط المستقيم كلمة الله الحسنى ومظهر صفاته العليا والكمال المجسد، ونموذج التربية الإلهية.
ترجمة الوصي للنبي - صلى الله عليهما وآلهما -
وكما عرّف الله -جلّت كلمته- خير خلقه وسيد رسله وإمام أنبيائه فقد عرّف من عرفه من عباد الله سيّد أوليائه وقدوة أصفيائه، الخبير بسره، وشريكه في أمره لحياته، واللصيق به في كافة أدواره، ومن هو قلبه وروحه ونفسه.
هذا وقد قال النبي عن الولي: «ولا يعرفني إلا الله وأنت»[1].
فماذا قال علي عن محمد؟
لقد علق الإمام بالنبي وتعلّق به واتحد به قلبًا وقالبًا فهو فكره وعلى لسانه يلذ له الحديث فيه وعنه لهجًا بذكر تاريخه سوابقه ولواحقه وأمجاده ومآثره وإنجازه وإعجازه مستوليًا على مشاعره أمره، مهيمنًا عليه كله.
فلنحيا مع النبي في صورته وحقيقته كما يرسمها ويصورها مجسدًا الوصي من خلال ما أودعه من صادق القول ودقيق الوصف في (نهج البلاغة).

1- الأمة التي بعث إليها النبي:
أ) العقيدة والدين:
«وَأهْلُ الاَْرْضِ يَوْمَئِذ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ، وَطَرَائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ، بَيْنَ مُشَبِّه للهِ بِخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِد في اسْمِهِ، أَوْ مُشِير إلى غَيْرهِ»[2].
 «وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ عَلَى شَرِّ دِين، وَفِي شَرِّ دَار، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجارَة خُشْن، وَحَيَّات صُمٍّ»[3].

ب) الأمية المميتة:
«إنَّ اللهَ سُبحانَه بَعَثَ مُحَمَّداً a، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً، وَلاَ يَدَّعِي نُبُوَّةً»[4].

ج) الوضع الاجتماعي المتردي:
الفتن المدمرة:
«وَالنَّاسُ في فِتَن انْجَذَمَ فِيها حَبْلُ الدِّينِ، وَتَزَعْزَعَتْ سَوَارِي اليَقِينِ، وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ، وَتَشَتَّتَ الاَْمْرُ، وَضَاقَ المَخْرَجُ، وَعَمِيَ المَصْدَرُ، فَالهُدَى خَامِلٌ، واَلعَمَى شَامِلٌ. عُصِيَ الرَّحْمنُ، وَنُصِرَ الشَّيْطَانُ، وَخُذِلَ الإيمان، فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ، وَتَنكَّرَتْ مَعَالِمُهُ، وَدَرَسَتْ سُبُلُهُ، وَعَفَتْ شُرُكُهُ.أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ، بِهِمْ سَارَتْ أَعْلامُهُ، وَقَامَ لِوَاؤُهُ، في فِتَن دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا، وَوَطِئَتْهُمْ بأَظْلاَفِهَا، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا، فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ، في خَيْرِ دَار، وَشَرِّ جِيرَان»[5].

الدمار الشامل:
«أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَة مِنَ الاُْمَمِ، وَاعْتِزَام مِنَ الْفِتَنِ، وَانتشار مِنَ الاُْمُورِ، وَتَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ، والدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ، عَلَى حِينِ اصْفِرَار مِنْ وَرَقِهَا، وَإِيَاس مِنْ ثَمَرِهَا، وَاغْوِرَار مِنْ مَائِهَا، قَدْ دَرَسَتْ أعْلامُ الْهُدَى، وَظَهَرَتْ أَعْلاَمُ الرِّدَى، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لاَِهْلِهَا، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا، ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ، وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ، وَشِعَارُهَا الْخَوْفُ، وَدِثَارُهَا السَّيْفُ، فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللهِ»[6].

الضلال المطبق:
«بَعَثَهُ وَالنَّاسُ ضُلاَّلٌ فِي حَيْرَة، وَحَاطِبُونَ فِي فِتْنَة، قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الاَْهْوَاءُ، وَاسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ، وَاسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيِّةُ الْجَهْلاَءُ؛ حَيَارَى فِي زَلْزَال مَنَ الاَْمْرِ، وَبَلاَء مِنَ الْجَهْلِ»[7].
«لاَ يَأْوُونَ إلى جَنَاحِ دَعْوَة يَعْتَصِمُونَ بِهَا، وَلاَ إلى ظِلِّ أُلْفَة يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا، فَالاَْحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ، وَالاَْيْدِي مُخْتَلِفَةٌ، وَالْكَثْرَةُمُتَفَرِّقَةٌ، فِي بَلاَءِ أَزْل، وأَطْبَاقِ جَهْل! مِنْ بَنَات مَوْءُودَة، وَأَصْنَام مَعْبُودَة، وَأَرْحَام مَقْطُوعَة، وَغَارَات مَشْنُونَة»[8].

2- مهام النبي الكبرى:
أ) التوجيه إلى الله وحده:
«فَبَعَثَ اللهُ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأُوْثَانِ إلى عِبَادَتِهِ، وَمِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إلى طَاعَتِهِ»[9].
ب) الشهادة والبشارة والنذارة:
«حَتَّى بَعَثَ اللهُ مُحَمَّداً a شَهِيداً، وَبَشِيراً، وَنَذِيراً»[10].

ج) الهداية المستوعبة:
«وَبَعَثَ إلى الْجِنِّ وَالاِْنْسِ رُسُلَهُ، لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا، وَلِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا، وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا، وَلِيُبَصِّرُوهُم عُيُوبَهَا، وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَر مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَأَسْقَامِهَا، وَحَلاَلِهَا وحَرَامِهَا، وَمَا أَعَدَّ سُبْحَانَهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالْعُصَاةِ مِنْ جَنَّة وَنَار، وَكَرَامَة وَهَوَان»[11].

3- دعامة الدعوة ومستندها:
أ) «إنَّ اللهَ تَعالَى بَعَثَ رَسُولاً هَادِياً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ وَأَمْرٍ قَائمٍ»[12].
ب) «ابْتَعَثَهُ بِالنُّورِ المُضِىءِ، وَالْبُرهَانِ الْجَليِّ، وَالْمِنْهَاجِ الْبَادِي، وَالْكِتَابِ الْهَادِي أُسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَة، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَة، أَغصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ، وَثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ، عَلا بِهَا ذِكْرُهُ، وَامْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهُ، أَرْسَلَهُ بِحُجَّة كَافِيَة، وَمَوْعِظَة شَافِية، وَدَعْوَة مُتَلافِيَة»[13].
جـ) «أرْسَلَهُ بِالدِّينِ المشْهُورِ، وَالعَلَمِ المأْثُورِ، وَالكِتَابِ المسْطُورِ، وَالنُّورِ السَّاطِعِ، وَالضِّيَاءِ اللاَّمِعِ، وَالأمْرِ الصَّادِعِ، إزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ، وَاحْتِجَاجاً بِالبَيِّنَاتِ، وَتَحْذِيراً بِالآيَاتِ، وَتَخْويفاً بِالمَثُلاَتِ»[14].

4- البلاء الحسن الجميل:

أ) الاستماتة في الإبلاغ والدعوة:
«فَبَالَغَ a فِي النَّصِيحَةِ، وَمَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَدَعَا إلى الْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ»[15].

ب) تحمله ضروب الأذى:
«خَاضَ إلى رِضْوَانِ اللهِ كُلَّ غَمْرَة، وَتَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّة، وَقَدْ تَلَوَّنَ لَه الاَدْنَوْنَ، وَتَأَلَّبَ عَلَيْهِ الاَْقْصَوْنَ، وَخَلَعَتْ إِلَيْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا، وَضَرَبَتْ إلى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا، حَتَّى أَنْزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوَتَهَا، مِنْ أبْعَدِ الدَّارِ، وَأَسْحَقِ المَزَارِ»[16].

5- قمة النجاح وغاية التوفيق:

أ) الهداية والإنقاذ من الضلالة والجهالة:
«فَهَدَاهُمْ بهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ بمَكانِهِ مِنَ الجَهَالَةِ»[17].

ب) السَّوق إلى الكمال:
«فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ، وَبَلَّغَهُمْ مَنْجَاتَهُمْ، فَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ، وَاطْمَأَنَّتْ صَفَاتُهُمْ»[18].

ج) إقامة راية الحق:
«وَخَلَّفَ فِينَا رايَةَ الْحَقِّ، مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ، وَمَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ»[19].

د) عموم البركة وسبوغ النعمة:
«فَانْظُرُوا إلى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ، وَجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ، كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا، وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا، وَالْتَفَّتِ الْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ، وَفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ، قَدْ تَرَبَّعَتِ الاُْمُورُ بِهِمْ، فِي ظِلِّ سُلْطَان قَاهِر، وَآوَتْهُمُ الْحَالُ إلى كَنَفِ عِزّ غَالِب، وَتَعَطَّفَتِ الاُْمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْك ثَابِت، فَهُمْ حُكَّامٌ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَمُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ الاَْرَضِينَ، يَمْلِكُونَ الاُْمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ، وَيُمْضُونَ الاَْحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ! لاَ تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ، وَلاَ تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ!»[20].
ومن مواطن النجاح الباهر:
إماتة الأحقاد:
«دَفَنَ اللهُ بِهِ الضَّغَائِن، وَأَطْفَأَ بِهِ الثَّوَائِرَ»[21].
جمع القلوب وتفريق الباطل المجتمع:
«وأَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً، وَفَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً»[22].
الإعزاز والإذلال:
«أَعَزَّ بِهِ الذِّلَّةَ، وَأَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ»[23].
وبعد...
فهذه المقتطفات غيض من فيض لهج بها ربيب محمد وصفيه انتقيتُ منها طرفاً مما اتصل بالدعوة من مقومات ودعائم ومناخ ونجاح ولم أعرض نماذج أخرى حول بقية الشؤون النبوية مما أوردت شطرًا وأوفر من هذا في: (العقائد من نهج البلاغة) ص162-234، ويبقى (نهج البلاغة) زاخرًا موّاجًا يمدّنا بخير تعريف وأروع توصيف[24].

 الهوامش:
[1] مناقب ابن شهر آشوب 3/267-268.
[2] خ 1 /44.
[3] خ 26 /68.
[4] خ 33 /77.
[5] خ 2 /46-47.
[6] خ 89 /121.
[7] خ 95 /140.
[8] خ 192 /297-298.
[9] خ 147 /204.
[10] خ 105 /151.
[11] خ 183 /265.
[12] خ 169 /243.
[13] خ 161 /229-230.
[14] خ 2 /46.
[15] خ 95 /140.
[16] خ 194 /307.
[17] خ 1 /44.
[18] خ 33 /77.
[19] خ 100 /146.
[20] خ 192 /298.
[21] خ 96 /141.
[22] خ 96 /141.
[23] خ 96 /141.
[24] لمزيد من الاطلاع ينظر: الأخلاق من نهج البلاغة: الشيخ محسن علي المعلم، العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، ط1، ص 58-64.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1531 Seconds