الدنيا في خطب الإمام علي عليه السلام قوله عليه السلام في خطبة يعض فيها الناس

سلسلة قصار الحكم

الدنيا في خطب الإمام علي عليه السلام قوله عليه السلام في خطبة يعض فيها الناس

2K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 22-08-2023

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:
في خطبة له عليه السلام في عظة الناس
إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللَّه فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، الَّتِي عَلَيْهَا يُثِيبُ ويُعَاقِبُ، ولَهَا يَرْضَى ويَسْخَطُ، أَنَّه لَا يَنْفَعُ عَبْداً - وإِنْ أَجْهَدَ نَفْسَه، وأَخْلَصَ فِعْلَه - أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا لَاقِياً رَبَّه بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِه الْخِصَالِ لَمْ[1] يَتُبْ مِنْهَا: أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّه فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْه مِنْ عِبَادَتِه، أَوْ يَشْفِيَ غَيْظَه بِهَلَاكِ نَفْسٍ، أَوْ يَعُرَّ [2] بِأَمْرٍ فَعَلَه غَيْرُه، أَوْ يَسْتَنْجِحَ حَاجَةً إِلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِه، أَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ، أَوْ يَمْشِيَ فِيهِمْ بِلِسَانَيْنِ، اعْقِلْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمِثْلَ دَلِيلٌ عَلَى شِبْهِه.
إِنَّ الْبَهَائِمَ هَمُّهَا بُطُونُهَا، وإِنَّ السِّبَاعَ هَمُّهَا الْعُدْوَانُ عَلَى غَيْرِهَا، وإِنَّ النِّسَاءَ هَمُّهُنَّ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا والْفَسَادُ فِيهَا، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَكِينُونَ، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُشْفِقُونَ، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ خَائِفُونَ، (إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ ذَاكِرُون[3])[4].

شرح الألفاظ الغريبة:
يَعُرّهُ: يعِيبُهُ ويلطّخهُ؛ يستنجح: يطلب نجاح حاجته؛ مستكينون: خاضعون[5].

الشرح:
اسم إن أنه لا ينفع، والضمير في أنه ضمير الشأن، وفاعل ينفع أن يخرج، ولاقياً نصب على الحال، وأراد أنّ من جملة نصوص الله سبحانه التي هي في محكم كتابه العزيز التي باعتقادها والعمل على وفقها يثيب ويرضى، وبتركها يعاقب ويسخط أنه لا ينفع عبداً خروجه من الدنيا لاقياً ربه بأحد الخصال المذكورة وإن أجهد نفسه في العمل وأخلص فيه:
أحدها: الشرك بالله تعالى، وقد سبق منا بيان درجات الشرك، وبقدر قوته وضعفه يكون قوة العقاب وضعفه والنص الدال على مضرته المستلزم لعدم نفعه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}[6].
وقوله: ((فيما افترض عليه من عبادته)): يفهم منه أنه أراد الشرك بالرياء في العبادة لا اتخاذ إله ثان، وهذه الآية تلحق النفس تارة من غلبة الجهل عليها واستيلاء الغفلة وترك النظر في المعرفة والتوحيد، وتارة من غلبة الشهوة كما تلحق نفس المرائي بعبادته لطلب الدنيا.

الثانية: أن يشفي غيظه بهلاك نفس، وفي نسخة نفسه، ونفس اعم وذلك الهلاك تارة في الدنيا كما يستلزمه السعي بالنميمة إلى الملوك ونحوه، وتارةً في الآخرة باكتساب الآثام المستلزم لشفاء الغيظ، والنص في قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}[7]. الآية، وهذه الآفة تلحقها بواسطة القوة الغضبية.

الثالثة: أن يقر بأمر فعله غيره: أي يتم على غيره بأمر فعله ذلك الغير فيستلزمه إهلاكه وأذاه فيدخل فيمن يسعى في الأرض فساداً، والنص عليه قوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا}[8] الآية.
وروى الشارحين يعر بالعين المهملة. قال: ومعناه أن يقف غيره بأمر قد فعله هو فيكون غيره منصوباً مفعولاً به، والعامل يعر يقال عره يعره عراً: أي غاية ولحظه (لطخه خ ل) فعلى هذا يكون داخلاً في جملة الفاسقين والكاذبين والموذين للمؤمنين بغير ما اكتسبوا. وهذه الآفة تلحق النفس بشركة من الشهوة والغضب.

الرابعة: أنْ ((يستنجح حاجة إلى الناس بإظهار بدعة في دينه)): كشاهد الزور لغاية يصل إليها، والمرتشي في الحكم والقضاء.

الخامسة: أن ((يلقى الناس بوجهين، أو يمشى فيهم بلسانين)): أي يلقي كلاً من الصديقين مثلاً بغير ما يلقي به الآخر ليفرق بينهما أو بين العدوين ليضري بينهما، وبالجملة: أن يقول بلسانه ما ليس في قلبه فيدخل في زمرة المنافقين، ووعيد المنافقين في القرآن {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}[9] ومطابقة ذلك من العقل أن من انتقش لوح نفسه بهيئات السوء ولم يمحها بالتوبة ألحقه فهو من أصحاب النار.
وقوله: ((اعقل ذلك)): أي اعقل ما أضر به ذلك من المثل، واحمل عليه ما يشبهه فإن المثل دليل على شبهه وذلك المثل قوله: ((إن البهائم...)) إلى قوله ((والفساد فيها)).
فقوله: ((إن البهائم همها بطونها)): إشارة إلى أن الإنسان المتبع لشهوته بمنزلة البهيمة في اتباع قوته الشهوية، والاهتمام بالطعام والشراب دون المطالب الحقيقية.
وقوله: ((إن السباع همها العدوان على غيرها)): إشارة إلى أن متبع القوة الغضبية بمنزلة السبع في اتباعها ومحبة الانتقام والغلبة على الغير.
وقوله: ((وإن النساء همهن زينة الحياة الدنيا والفساد فيها)): إشارة إلى أن النساء متبعة للقوتين: الشهوية ولها كان همهن زينة الحياة الدنيا، والغضبية ولها كان همهن الفساد في الدنيا فالتابع لشهوته وغضبه لاحق بالنساء في ذلك.
ثم لما حصر متابع الشر في قوتي الشهوة والغضب ذكر المؤمنين بصفات ثلاث: - كل منها يستلزم كسر تينك القوتين – وهي الاستكانة لله والخضوع له، ثم الاشفاق من غضب، ثم الخوف من عقابه، والظاهر كون كل واحد من هذه الصفات جاذباً لهم عن طرف الإفراط في القوتين والخروج عن حد العدل فيها، وغاية هذا المثل التنفير عن طاعة الشهوة والغضب بالتنبيه على أن الخارج فيها عن حد العدل إلى ما لا ينبغي إما أن يشبه البهيمة أو السبع أو المرأة، وكل منها مما يرغب العاقل عنه، وهو الذي أمر بعقليته فانظر إلى ما اشتمل عليه هذا الكلام من الإشارة اللطيفة التي يشهد عليه عليه السلام بمشاهدة الحق كما هو، وإذا عبرت ذلك وأمثاله من الحكم البالغة ونظرت إلى أنه عليه السلام لم يرجع فيه إلى مطالعة كتاب أو استفادة بحث علمت أنه فيض رباني بواسطة إعداد سيد البشر والاستاد المرشد صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الشارح الفاضل عبد الحميد بن أبي الحديد: إنما رمز بباطن هذا الكلام إلى الرؤساء يوم الجمل لأنهم صاولوا أن يشفوا غيظهم بإهلاكه وإهلاك غيره من المسلمين وعيروه عليه السلام بأمرهم فعلوه، وهو التأليف على عثمان وحصره واستنجحوا حوائجهم إلى أهل البصرة بإظهار البدعة والفتنة والقوا الناس بوجهين ولسانين لأنهم بايعوه وأظهروا الرضا به. ثم نكثوا من وجه آخر فجعل ذنوبهم هذه بمنزلة الشرك في أنها لا تغفر إلا بالتوبة. قال: وهذا معنى قوله: ((اعقل ذلك فإن المثل دليل على شبهه)). وبالله التوفيق[10])([11]).

الهوامش:
[1] (لم) ليس في نهج البلاغة للشيخ محمد عبده.
[2] في نهج العطار ونهج محمد عبده: (يُقِرَّ) بدل يُعِرَّ).
[3] ما بين القوسين أثبتناه من نهج البلاغة تحقيق الشيخ العطار.
[4] نهج البلاغة لصبحي صالح: 213- 215/ خطبة رقم 153، ونهج البلاغة للمحقق الشيخ العطار: 283-285/ خطبة رقم 153، وشرح نهج البلاغة لابن ميثم 3: 240- 244/ خطبة رقم 152، ونهج البلاغة للشيخ محمد عبده 1: 296-297.
[5] شرح الألفاظ الغريبة: 629.
[6] النساء: 48.
[7] النساء: 93.
[8] المائدة: 33.
[9] النساء: 145.
[10] شرح نهج البلاغة لابن ميثم 3: 244-247/ شرح الخطبة رقم 152.
([11]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 147-154.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2351 Seconds