أكبر الأعداء في فكر أمير المُؤمنين (عليه السَّلَام).

سلسلة قصار الحكم

أكبر الأعداء في فكر أمير المُؤمنين (عليه السَّلَام).

202 مشاهدة

البَاحث: سَلَام مَكيّ خضيّر الطَّائِيّ.
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الخلق والمرسلين، أبي القاسم مُحمَّد وآله الغر الميامين، الطَّيِّبين الطَّاهرين، واللّعن الدَّائم على أعدائِهم أجمعين، ما بقيت وبقي اللَّيل والنَّهَار إلى قيامِ يوم الدِّين...
أمَّا بعد...
فعرفنا في موضوعٍ سابق يختص بالعداوة، أن العداوة بغض صادق يهتم معه بجمع الأسباب المؤذية للمبغوض ومحبة أفعال الشرور التي يمكن فعلها به[1]، وأنَّ الشخص الذي يحمل هذه الصّفة الدَّنيئة، أمَّا أن تكون عداوته ظاهرة للشخص الذي يريد إيذائه ويحمل بداخله عليه الغيض، أو يكون هذا الشخص خافيًا لتلك العداوة في داخله، ويراقب الفرص عن كثب عسى وأن تكون له فرصة مناسبة للتَّشفّي بالشخص المبغوض عليه الذي يُريد إيذاءه.

 ففي هذا الموضوع سنتحدّث عن العدو الذي يُبطن العداوة في داخله ويُخفيها ولا يظهرها للعيان، فهذا أكبر الأعداء وأخطرهم على الشخص المبغوض، ونؤطّر ونُعززّ  ما تقدّم، بكلامٍ مرويّ عن أمير المؤمنين الإمام عَلِيّ بن أبي طالبٍ (عليه السَّلَام) وهو قوله: (أكبر الأعداء أخفاهم مكيدة)[2].

فالكيد في اللغة: هو المضرَّة والمكر والخبث، الأَخْذُ على خَفَاءٍ، ولا يُعْتَبر فيه إِظهارُ خِلاَفِ ما أَبْطَنَه، ويُعْتَبر ذلك في المَكْرِ[3]، والسّعيّ في فساد الحال على وجه الاحتيال والخداع[4]، والمقصود في هذه القضيَّة بيان أن كل من كان من الأعداء أخفى كيدًا وأدق نظرًا في الاحتيال كان أكبر الأعداء أي: أكثرهم عداوة وأولى بالتّحفظ منه من سائر الأعداء، الذين تكون عداوتهم مع الشَّخص الذي يُراد إيذاءه، وقد لا يكون أو لا يُشترط أنَّه قد أخفى في داخله البغض والعداوة وأظهر عليه خلاف ذلك، فهنا كل من كان أقدر على إخفاء الحيلة والخداع والمكر ويظهر ويعامل النَّاس خلاف ما أبطن وأخفى، مثلًا: يتعامل معهم بحسن الكلام وطيب الألفاظ وغيرها ويتظاهر أنَّه يُحبّهم ويريد لهم الخير والصَّلَاح، كان أقدر على تحصيل الأسباب التي تؤدّيّ بالأذيَّة لعدوّه، وكل من كان كذلك كان أعظم الأعداء وأكبرهم مكيدة من غيره، فنستنتج: أنّ كل من كان أخفى حيلة كان أعظم الأعداء وأكبرهم، وذلك لأنَّ من كان مجاهرا بالحيلة في أذى عدوّه قلمّا يظفر به لاطّلاع العدو على كل ذلك واحترازه منه، فلا معنى لأكبر الأعداء إلَّا من كان أقدر على النّكاية والانتقام والوقوع بعدوِّهِ باستعمال الطريقة أو بالسّبل التي تقدَّمت[5].

فينبغي للمؤمن العاقل والحليم الحذر من هكذا أشخاص، وأن يمعن النظر في الشخص الذي يشكّ فيه أنَّه يتحايل عليه ويحاول خداعه، ويراه متلوّن بأكثر من وجه في المعاملة مع الناس ومستعملًا الكلام البرَّاق، لينال منه ويحظى بأذيَّته، ويكون حذرًا منه ولا يتغافل، فإن كان هكذا فإنَّه قد يسلم من أذيته ولا ينخدع بحيلته ومكيدته ومكره.

وبالختام نسأل الله تعالى بنبيّه وحبيبه مُحَمَّد بن عبد الله (صلَّى الله عليه وآله)، وآل بيته الأطهار (عليهم السَّلَام أجمعين) أن يجعل قلوب المؤمنين متآلفة متحابّة على الخير والبر والصَّلَاح ونبذ الشرّ والأشرار والعداوة والأعداء، إنَّه سميعٌ مُجيب...

الهوامش:
[1] شرح مئة كلمة لأمير المُؤمنين (عليه السَّلَام)، ابن ميثم البحراني: 154.
[2] مستدرك نهج البلاغة، الشَّيخ هادي كاشف الغطاء: 157.
[3] ينظر: تاج العروس، الزَّبيدي: 5/231.
[4] ينظر: مجمع البحرين، الشَّيخ فخر الدِّين الطّريحي: 3/139
[5] ينظر: شرح مئة كلمة لأمير المُؤمنين (عليه السَّلَام): 154.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.3439 Seconds