(الوِفاق والنّفاق) في نظر الإسلام

سلسلة قصار الحكم

(الوِفاق والنّفاق) في نظر الإسلام

144 مشاهدة

البَاحِث: سَلَام مَكّيّ خضيّر الطَّائِي.
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الخلق والمُرسلين، أبي القاسم مُحمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين، واللَّعن الدَّائم على مبغضيهم وناكري مكانتهم ومغتصبي حقِّهم، إلى قيامِ يوم الدِّين...
أمَّا بعد...
فإنَّ دائمًا ما نراه في المجتمع أن هناك ممن هم متفقين أو متخالفين في أمرٍ ما، وسواء كان هذا صالح أم طالح، فالوِفاقُ على ما جاء في معاجم اللغة، هو(الوِفَاق) بالكسْر: يعني: المُوافَقَةُ على شيء ما، ويقال: ووافَقَه على أمرٍ، أي: اتّفَقَ معه عليه، وجاءَ القومُ وَفْقاً، أي: مُتوافِقِين[1] في الآراء والأفعال، وامّا النّفاق: فهو اظهار الشخص خلاف ما يبطن، أي: مثلًا قد يكون في بعض الأحيان هذا الشّخص غير مقتنع في أمر ما بنيه وبين صاحبه، و إنَّك تجد كثيرا من الناس يستبدون آرائهم ولا تكاد تتصور موافقة أحد لهم فيها، ولكن تجد هناك من يوافقهم عليها، وذلك بوجود لوازم أو موانع تمنعه؛ قد تكون: إمَّا بطابع الخجل من ذلك الشخص أو لمكانته الاجتماعيَّة في المجتمع أو لضعف إيمان الشخص نفسه بالله تعالى وغير ذلك، ويجهل عواقب هذه الصّفة الدَّنيئة –صفة النّفاق- وما أُعِدَّ لصاحبها من عذاب يوم الورود، فقال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾[2]، فيكون ما تقدَّم موانع لا تمكّنه من إظهار عدم موافقته معه، فيضطر لأن يُبيّن له أنَّه متفق معه في هذا الأمر، ثم إن كان لابد من الوفاق الصَّحيح إلَّا أنَّ ذلك لا يكون إلَّا في الاحكام الضرورية أو البرهانيَّة وهي مع أنها أقلية الوجود بالنّسبة إلى الأحكام التي تُخفى أسبابها فتكاد تسلم من اختلاف الآراء فيها[3]، فبكثرة الوفاق على الأشياء الخاطئة يصبح هذا نفاقًا ويكون صاحبه منافقا لسلوكه أسلوب الموافقة بكثرة بخلاف ما يبطنه في داخل قلبه، فروي عن أمير المؤمنين الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام) أنَّه قال: (كثرة الوفاق نفاق)[4].
فهذا الأمر مستلزم للتّنبيه على وجوب الحذر عن كثرة الوفاق، وعلى الفرد المؤمن أن تكون لديه الثقة العالية بنفسه والشَّجاعة الإيمانيَّة القويَّة في إعطاء رأيه الصحيح وعد المجاملة على صالح الحق والعدالة الإلهيَّة، التي تستلزم استنزال الرَّحمة من الله تعالى على الإنسان صاحب الإيمان الصَّادق، فإنّ الوفاق على الباطل من الرذائل الموجبة المهانة لحامل هذه الصّفة، فنستنتج من الاستمرار على هذه الصّفة –كثرة الوفاق-: ذلّة للشخص نفسه، لأنَّه لا يملك الشَّجاعة لقول أو لإبداء رأيه الصَّائب، وأنّها أيضًا من لوازم النّفاق الذي هو من لوازم المهانة[5].
وفي الختام أن الحمدُ لله ربّ العالمين ونسأله أن يبعدنا وإيَّاكم من جميع الصّفات الدَّنيئة والرَّذيلة، إنَّه سميع مُجيب، وصلَّى الله تعالى على نبيّنا وشفيع ذنوبنا مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين، واللَّعن الدَّائم على أعدائهم من الأوَّلين والآخرين إلى قيام يوم الدِّين...

الهوامش:
[1] ينظر: تاج العروس، الزَّبيدي: 487.
[2] سورة النّساء: 138.
[3] ينظر: شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين (عليه السَّلَام)، ابن ميثم البحراني: 127.
[4] شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني: 1/27.
[5] ينظر: شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين (عليه السَّلَام: 127-128.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0720 Seconds