هل لأهل العراقِ خصوصيةٌ في زيارةِ الحسينِ (عليه السلام) والجزعِ عليهِ عن غيرِهم؟ الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) يُجيب.

آل علي عليهم السلام

هل لأهل العراقِ خصوصيةٌ في زيارةِ الحسينِ (عليه السلام) والجزعِ عليهِ عن غيرِهم؟ الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) يُجيب.

52 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 25-06-2026

بقلم: السيدِ نبيلِ الحسنيِّ الكربلائيِّ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وصلى اللهُ على محمدٍ وآلِهِ الطاهرينَ.

كثيراً ما يسألُ الناسُ، ولا سيَّما مَن يهتمونَ بالتشيعِ ودراستِهِ، أو يراقبونَ شيعةَ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) أينما حلُّوا: لماذا يختلفُ أهلُ العراقِ عن غيرِهم في التعاملِ مع قبرِ الحسينِ (عليه السلام)؟ بل لماذا يختصونَ بالجزعِ عليهِ فيمتازونَ عن سِواهم؟ ولماذا اختارَ اللهُ أرضَ العراقِ لتكونَ محلاً لقبرِ ابنِ بنتِ نبيِّهِ؟ وهل يكونُ السرُّ في هذا التميزِ متعلقاً بطبيعةِ هذه الأرضِ؟

فلقد كان رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) يأتيهِ جبرائيلُ (عليه السلام) بتربةِ كربلاءَ فيودعُها عند أمِّ سلمةَ (رضي الله عنها)، ثم يوصيها: «يا أمَّ سلمةَ، إذا تحوَّلَتْ هذه التربةُ دماً فاعلمي أن ابني قد قُتِل، فجعلتْها أمُّ سلمةَ في قارورةٍ، ثم جعلتْ تنظرُ إليها كلَّ يومٍ وتقولُ: إن يوماً تتحولينَ فيهِ دماً ليومٌ عظيمٌ»(1).

ولم يكتفِ النبيُّ (صلى الله عليه وآله) بإخبارِ أمِّ سلمةَ فحسب، بل أخبرَ عائشةَ(2)، وزينبَ بنتَ جحشٍ(3)، وأصحابَهُ (4)، ولم يقتصرِ الأمرُ على النبيِّ والأصحابِ؛ فها هو أميرُ المؤمنينَ (عليه السلام) حينما مرَّ بأرضِ كربلاءَ قاصداً (الرِّقَّةَ) في بدايةِ الشامِ لمواجهةِ أهلِ صفينَ، نراهُ يعسكرُ ليلةً في أرضِ كربلاءَ، فيمضي ليلَهُ باكياً متعبداً حتى إذا خيَّمَ السكونُ على العسكرِ وداخلَتِ الدهشةُ الجندَ والقادةَ، أسمعَهُم كلماتِهِ مُستعبِراً: «هذا ــ والله ــ مُناخُ رِكابِهم، وموضعُ مَنِيَّتِهم، فقيل له: يا أميرَ المؤمنينَ، ما هذا الموضعُ؟ قال: هذا كربلاءُ، يُقتَلُ فيهِ قومٌ يدخلونَ الجنةَ بغيرِ حسابٍ» (5).

بل ها هو الحسينُ (عليه السلام) يُخبرُ مَن يرقبُ خروجَهُ مُستفهِماً عن مقصدِهِ وعلَّةِ اصطحابِهِ للنساء والأطفالِ، وهو يعلمُ عِلْمَ اليقينِ ما سيحلُّ  بهِ: »وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُفَ، وَخِيرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَاتِ بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاءَ« (6).

أفكانَ أهلُ العراقِ وأرضُ كربلاءَ قد نالَهُم من خصائصِ تربتِها فجزعوا بما لم يجزعْ بهِ غيرُهم؟ أم أنَّ عليهم واجبَ الضيافةِ ولا سيَّما أنَّهم عُرِفوا بالكرمِ والبذلِ؟ أم أنَّ الأمرَ فيهِ توجيهٌ خاصٌّ من أئمةِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام)؟

أسئلةٌ كثيرةٌ؛ إلا أنَّ إمامَنا الصادقَ (عليه السلام) يُجيبُ عن هذا التساؤلِ ويكشفُ عن تلك الخصوصيةِ التي حَبَا بها أهلَ العراقِ، بل ويريدُ منهم أموراً خاصةً؛ تشريفاً لهم باحتضانِ جسدِ الحسينِ (عليه السلام) وأهلِ بيتِهِ وأصحابِهِ.

فلنسمعِ الإجابةَ من الإمام الصادقِ (عليه السلام) وهو يحاورُ رجلاً من أهل العراقِ، وتحديداً من البصرةِ؛ حيث قالَ مسمعُ بنُ عبدِ الملكِ كِردين البصريُّ: قال لي أبو عبدِ الله (عليه السلام): «يا مسمعُ، أنتَ من أهلِ العراقِ، أمَا تأتي قبرَ الحسينِ (عليه السلام)؟، قلتُ: لا، أنا رجلٌ مشهورٌ عند أهل البصرةِ، وعندنا مَن يتبعُ هوى هذا الخليفةِ، وعدوُّنا كثيرٌ من أهل القبائلِ من النُّصَّابِ وغيرِهم، ولستُ آمنُهم أن يرفعوا حالي عند ولدِ سليمانَ فيُمثِّلوا بي .

قال لي: أفمَا تذكرُ ما صُنِعَ بهِ؟، قلتُ: نعم، قال:  فتجزعُ؟، قلتُ: إي واللهِ وأستعبرُ لذلكَ حتى يرى أهلي أثرَ ذلكَ عليَّ، فأمتنعُ من الطعامِ حتى يستبينَ ذلك في وجهي.

قال: «رَحِمَ اللهُ دمعتَك! أمَا إنَّك من الذينَ يُعَدُّونَ من أهلِ الجزعِ لنا، والذين يفرحونَ لفرحِنا، ويحزنونَ لحزنِنا، ويخافونَ لخوفِنا، ويأمنونَ إذا أَمِنَّا. أمَا إنَّك سترى عند موتكَ حضورَ آبائي لكَ، ووصيَّتَهم مَلَكَ الموتِ بكَ، وما يلقونَكَ بهِ من البشارةِ أفضلُ، ولَمَلَكُ الموتِ أرقُّ عليكَ وأشدُّ رحمةً لكَ من الأمِّ الشفيقةِ على ولدِها«.

قال: ثم استعبرَ واستعبرتُ معهُ، فقال: «الحمدُ للهِ الذي فضَّلنا على خلقِهِ بالرحمةِ، وخصَّنا أهلَ البيتِ بالرحمةِ. يا مسمعُ، إنَّ الأرضَ والسماءَ لتبكيانِ منذُ قُتِلَ أميرُ المؤمنينَ (عليه السلام) رحمةً لنا، وما بكى لنا من الملائكةِ أكثرُ، وما رقأَتْ دموعُ الملائكةِ منذُ قُتِلْنا، وما بكى أحدٌ رحمةً لنا ولِمَا لَقِينَا إلا رَحِمَهُ اللهُ قبلَ أن تخرجَ الدمعةُ من عينِهِ...»(7).

والحديثُ طويلٌ اقتبسنا منه موضعَ الحاجةِ، وهو يرشدُ إلى أمورٍ استراتيجيةٍ، منها:

أنَّ أهلَ العراقِ يُرادُ منهم تَعَاهُدُ قبرِ الإمامِ الحسينِ (عليه السلام) بالزيارةِ بصفةٍ مستمرةٍ.
في حالِ التعذُّرِ وعَدَمِ المكنةِ من الزيارةِ للموانعِ والأخطارِ—كالتي بيَّنَها مسمعٌ البصريُّ—يلزمُ المؤمنَ أن لا يغفلَ عن إظهارِ الحزنِ والمواساةِ.
التَّعَاهُدُ على إحياءِ المآتمِ والمجالسِ الحسينيةِ طوالَ العامِ، ومنهُ نرى واقِعاً أنَّ كثيراً من بيوتِ المؤمنينَ تُواظبُ على إقامةِ المأتمِ الحسينيِّ؛ فمنهم مَن يقيمُهُ كلَّ يومٍ، ومنهم في الأسبوعِ مرةً، ومنهم في الشهرِ، ومنهم في السنةِ، وهو أمرٌ مشهودٌ مستغنٍ عن الشواهدِ.
أنَّ يكونَ الجازعُ على الحسينِ (عليه السلام) بالصفةِ الوجدانيةِ والعمليةِ التي بيَّنَها مسمعٌ البصريُّ؛ لينالَ تلك العطايا الإلهيةَ والرحمةَ الربانيةَ الشاملةَ.
إنَّ المحبَّ لأهلِ البيتِ (عليهم السلام) ينالُهُ من الرحمةِ الإلهيةِ واللطفِ عند الموتِ بحسبِ ما يُبديهِ من صدقِ الحزنِ والدمعةِ والجزعِ.
ومن ثَمَّ؛ فعلى أهلِ العراقِ من التكاليفِ في زيارةِ قبرِ الحسينِ (عليه السلام) وتَعاهُدِهِ، وإقامةِ المآتمِ والمجالسِ الحسينيةِ ما ليسَ على غيرِهم؛ فقد خصَّهمُ اللهُ وحَبَاهم بكربلاءَ، وشرَّفَهم بخدمةِ زوَّارِهِ (عليهم السلام).

الهوامش:
(1): المعجم الكبير، الطبراني: ج 3، ص 108، برقم 2817؛ الإكمال في أسماء الرجال، الخطيب التبريزي: ص 45؛ تهذيب الكمال، المزّي: ج 6، ص 408؛ مجمع الزوائد، الهيثمي: ج 9، ص 204
(2): سير أعلام النبلاء، الذهبي: ج 3، ص 289 ــ 290؛ سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي: ج 10، ص 153؛ الإكمال في أسماء الرجال: ص 45.
(3): سبل الهدى والرشاد: ج 10، ص 154
(4): ينابيع المودة، القندوزي: ج 3، ص 8؛ البداية والنهاية، ابن كثير: ج 8، ص 301؛ سبل الهدى والرشاد: ج 11، ص 75
(5): الإرشاد، الشيخ المفيد: ج 1، ص 332؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج 3، ص 170؛ كشف الغمة، الإربلي: ج 1، ص 282؛ كشف اليقين، العلامة الحلي: ص 80؛ المناقب، ابن شهر آشوب: ج 2، ص 106؛ مدينة المعاجز، السيد هاشم البحراني: ج 2، ص 39؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج 13، ص 655
(6): نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، الحسين بن محمد بن الحسن الحلواني: ص 87؛ اللهوف في قتلى الطفوف، ابن طاووس: ص 38
(7):  كامل الزيارات، جعفر بن محمد بن قولويه: ص 203، باب 32 (ثواب من بكى على الحسين بن علي (عليه السلام)، وفي لفظ آخر: «فيميلون عليّ«.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1014 Seconds