دلالات النزول ومعانيه في قول الإمام علي (عليه السلام) عند دفن فاطمة (عليها السلام)((النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ))/ رابعاً: النزول البرزخي والحلول الفردوسي

علي ومعاصروه

دلالات النزول ومعانيه في قول الإمام علي (عليه السلام) عند دفن فاطمة (عليها السلام)((النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ))/ رابعاً: النزول البرزخي والحلول الفردوسي

533 مشاهدة

بقلم: السيد نبيل الحسني الكربلائي

(الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر بما ألهم، والثناء بما قدم، من عموم نعمٍ أبتدأها، وسبوغ آلاء أسداها) وصلواته التامات الزاكيات على حبيبه وعبده ورسوله أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته «أساس الدين وعماد اليقين»([1]).
وبعد:
قال أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في خطابه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) عند دفنه فاطمة (عليها السلام): «النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ»([2]).
يكتنز هذا اللفظ جملة من المعارف كغيره من ألفاظ هذا النص الشريف وهو أمر قد تسالم عند أهل العلم والمعرفة بحديث ثقل القرآن وأهله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
فقول منتج النص (عليه السلام): «النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ».
ينقسم إلى قسمين من المعارف المتعلقة بشأن فاطمة (عليها السلام) وشأن أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فما يتعلق بفاطمة (عليها السلام) فهو ينضوي تحت معنى قوله «النازلة» ودلالته، فهل هو (النزول المرتبي)؟؛ أو أراد بذلك النزول الذي يفيد معنى (العلو والسفل)، أي من الأعلى إلى الأسفل ويراد به: (الإنزال)؛ أو أراد بالنزول المعنى الذي يفيد (الحلول)؛ أو أنه يفيد معنى (الانتقال) من عالم إلى عالم آخر فهذه المعاني هي الأظهر من غيرها ولا شك أن البحث في معاني اللفظ واستنطاقه يرشد إلى معان ودلالات أخرى؛ ومن ثم ينبغي دراسة هذه الدلالات كي نصل الى مقاربة قصدية منتج النص (عليه السلام).

المسألة الأولى: دلالات (النزول) ومعانيه.
يرتكز البحث في المفردة على مجموعة من المعاني التي سنتناولها ضمن ما يلي:
ربعاً: النزول البرزخي والحلول الفردوسي.
ورد لفظ البرزخ في القرآن الكريم في قوله تعالى:
{..وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[3].
وهو لبيان المرحلة الانتقالية ما بين الدنيا والآخرة، بمعنى آخر: ما بين انقضاء عمر الدنيا وبداية عمر الآخرة، وهو المكان الذي تحل فيه روح الميت وجسده بعد الموت والمعروف بالقبر.
وهذا المعنى ورد كذلك في المعاجم اللغوية والتي تفيد: (ما بين كل شيئين، والميت في البزخ لأنه بين الدنيا والآخرة، وبرازخ الإيمان ما بين الشك واليقين، وما بين الظل والشمس برزخ)[4]  بمعنى الحائل أو الحاجز ما بين عالمين أو مكانين.
أما ما ورد في الأحاديث الشريفة حول أثر البرزخ على الإنسان في رحلته للعبور من الدين إلى الآخرة فكثيرة وخطيرة أيضاً، ومنها:
قال (صلى الله عليه وآله وسلم):
«القبر أما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران»[5].
2- أخرج الزيلعي عن أنس مرفوعاً، عنه (صلى الله عليه وآله)، أنه قال:
«إذا مات أحدكم قامت قيامته»[6]

أما ما يخص برزخ فاطمة (عليها السلام) والذي نزلت فيه وحلت عنده فهو في حقيقته عملية انتقال من عالم الدنيا إلى عالم جديد بين الدنيا والآخرة وهو عالم البرزخ وهو النزول البرزخي الذي ورد في قوله (عليه السلام): «النازلة»، اي: النازلة الى هذا العالم.
إلا إنها بعد هذا النزول البرزخي تبعه انتقال آخر، وهو الانتقال الارتقائي للحلول في روضة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
بمعنى: كي تصل فاطمة (عليها السلام) إلى هذه المنزلة والشأنية وهي مجاورة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عالم البرزخ فلا بد من نزولها إلى محل هذا العالم وهو البرزخ ثم لتنتقل إلى محل آخر ضمن هذا العالم لتحل بمجاورة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذي عرّفه النبي (صلى الله عليه وآله) للناس فقال:
«ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة»[7].
وفي لفظ: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»[8].
وفي لفظ: «ما بين منبري وحجرتي روضة من رياض الجنة»[9].

وهذا يدل على بيان منزلته (صلى الله عليه وآله وسلم) ومكانه في عالم البرزخ؛ ومن ثم فهذا العلو والشأنية تحتاج إلى ارتقاء يلزم أهل هذا العلم حينما يؤذن لهم بالوصول إلى هذا المكان والمنزلة، كما هو حال سيدة نساء العالمين (صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها) فقد حلّت بجوار هذه الروضة التي هي من رياض الجنة.
وهي حقيقة قرآنية، أي: انتقال المؤمن بعد موته إلى الجنة البرزخية أو النار البرزخي، فمن كان قد محض الإيمان محضاً كما أخبر القرآن عن حال المنذر الذي أنذر أهل القرية في سورة يس، قال تعالى:
{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ}[10].
فلما قُتل ومضى إلى ربه شهيداً وانتقل من عالم الشهادة إلى عالم الملك استقبلته الملائكة بقولها:
{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}[11].
والآية المباركة واضحة الدلالة والبيان في انتقال المؤمن إلى الجنة البرزخية مباشرة بعد دخوله ونزوله إلى عالم البرزخ.
كما أخبر عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) في مخاطبته رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «والنازلة بجوارك».

ولكن ثمّة سؤال آخر: لماذا قال (عليه السلام) «بجوارك»؟ ولم يقل بروضتك؟، ما معنى أن تكون بجواره؟، وما هي قصديته في هذه المجاورة التي اراد بيانها للمتلقي([12])؟

الهوامش:
([1]) المصدر السابق: ص432.
[2] الكافي للكليني : ج1 ص459.
[3] سورة المؤمنون، الآية (100).
[4] كتاب العين: ج4 ص338، ط دار ومكتبة الهلال.
[5] بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج6 ص275.
[6] تخريج الأحاديث للزيلعي: ج1 ص436؛ كنز العمال للهندي: ج5 ص548.
[7] المصنف لابن ابي شيبة: ج7 ص413.
[8] مسند احمد: ج2 ص236.
[9] مسند احمد: ج2 ص412.
[10] سورة يس، الآية (20-23).
[11] سورة يس، الآية (26-27).
[12] لمزيد من الاطلاع، ينظر: فاطمة في نهج البلاغة تأليف السيد نبل الحسني: ج1، ص194-196، ط دار الكفيل، العتبة العباسية المقدسة.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1353 Seconds