حال الزهراء عليها السلام قبل ولادة الإمام الحسين عليه السلام ليس له مثيل في سجل الأمومة

علي ومعاصروه

حال الزهراء عليها السلام قبل ولادة الإمام الحسين عليه السلام ليس له مثيل في سجل الأمومة

646 مشاهدة

بقلم: السيد نبيل الحسني الكربلائي

«الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا بطوله، مانح كل غنيمة وفضل، وكاشف كل عظيمة وأزل»([1]).
اللهم «أجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، على محمد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق، والفاتح لما انغلق، والمُعلن الحق بالحق، والدافع جيشات الأباطيل، والدامغ صولات الأضاليل»([2]) وعلى أهل بيته «أساس الدين وعماد اليقين»([3])
وبعد:
امتاز الحمل الثاني لسيدة النساء عليها السلام بأمور خاصة، نقتصر على ذكرها ونعرض عن ما تم سرده في ولادة الحسن عليه السلام من التسمية والعقيقة وحلق الرأس وغيرها، فما قام به النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم للحسن عليه السلام قام بمثله لأخيه الحسين عليه السلام.
أولاً: حال الزهراء قبل ولادة الحسين عليه السلام ليس له مثيل في سجل الأمومة.
ولكن جرت بعض الأمور الخاصة، بل الفريدة في الحمل الثاني لفاطمة لم تشهدها الإنسانية بل لم يعرفها سجلها الحضاري، إذ لم يعهد أن هناك امرأة حملت ثم يقال لها: إن ما تحملين في أحشائك هو غلام وستلدينه ويكبر، لكنه يقتل في أرض فلاة حيث لا ناصر له ولا معين سوى ثلة من أهل بيته وأصحابه يقتلون معه أيضا!!

ثم يمضي الليل والنهار وتراها تعد الساعات لترى هذا المولود وتضمه إلى صدرها، وتبكيه وليدا وقد بكته من قبل جنينا...
وفي الواقع.. لا أدري أي أحاسيس.. وأي مشاعر كانت تختلج في نفس بضعة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وهي تنظر إلى حملها حيناً.. وتتأمل حيناً آخر في حركات جنينها وهو يناغي أحشاءها بل روحها؟!
وعندما ولدته.. لا أدري كيف كانت تنظر إليه.. وهي عارفة أن هذا الصدر الذي يشابه صدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم([4]) المصطفى ستسحقه خيول بني أمية؟!
ترى هل كانت تتحسس بيديها تلك الأضلع عندما كان يغفو في حجرها.. ترى هل كانت ترى مواضع السيوف عندما تشم عنقه وهو يداعب بأنامله الرقيقة خصلات من شعرها؟!
لا أدري.. كيف كانت تسرّح شعره وصورة رأسه المقطوع أمام ناظرها.. هل كانت دموعها ترطب خصلات شعر ولدها.. لا أدري كيف كانت تلبسه ثيابه وهي تعلم أنه مسلوب الثياب عريانا تحرقه حرارة الشمس ورمضاء الثرى في كربلاء؟!
ترى.. كيف كانت تطعمه.. كيف لها قلب أن تسبقه.. أو كيف هي تشرب الماء وهو ينظر إليها أو يطلبه منها! هل تتأخر عليه؟! أو تأتيه بالماء وهي مسرعة باكية؟!

ترى.. أهناك أم حملت بمثل ما حملت الزهراء عليها السلام من الآلام.. أي أم علمت ما يجري على ولدها وهو يكبر أمام ناظرها.. وفي نفس الوقت صابرة محتسبة ومسلمة لأمر ربها؟!
كيف لنا أن نتحدث عن الأمومة وآثار الحمل والولادة على نفسية المرأة، بل على كل كيانها ثم نتجاهل تلك الآلام والأحاسيس التي عاشتها هذه الأم؟!
وهل يتغافل البعض عن هذا، هل حقا بقي عندهم شيء من إنسانيتهم وضمائرهم؟!
وإليك أيها القارئ الكريم بعض الأحاديث التي تتحدث عن أخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عليها السلام بما يجري على ولدها قبل أن يلد كما سيمر في ثانيا:
ثانياً: حملته كرها ووضعته كرها
1 ــ عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبد الكريم بن نصر عن عبد الكريم بن عمرو عن المعلى بن خنيس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصبح صباحا فرأته فاطمة باكيا حزينا، فقالت:
«ما لك يا رسول الله»؟
فأبى أن يخبرها، فقالت:
«لا آكل ولا أشرب حتى تخبرني».
فقال:
«إن جبرئيل عليه السلام أتاني بالتربة التي يقتل عليها غلام لم يحمل به بعد».
ولم تكن تحمل بالحسين عليه السلام.
«وهذه تربته»)([5]).
عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال:
«لما حملت فاطمة عليها السلام بالحسين جاء جبرائيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن فاطمة ستلد غلاما تقتله أمتك من بعدك، فلما حملت فاطمة الحسين عليه السلام كرهت حمله، وحين وضعته كرهت وضعه».
ثم قال أبو عبد الله عليه السلام:
«لم تُر في الدنيا أم تلد غلاما تكرهه ولكنها كرهته لما علمت أنه سيقتل، قال وفيه نزلت هذه الآية:

[وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ]([6])»([7]).
وفي رواية أخرى: إنها لما علمت أنه سيقتل قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«لا حاجة لي فيه».
فقال صلى الله عليه وآله وسلم:
«إن الله عزّ وجل قد وعدني فيه عدة».
قالت عليها السلام:
«ما وعدك؟».
قال صلى الله عليه وآله وسلم:
«وعدني أن يجعل الإمامة من بعده في ولده».
فقالت:
«قبلت»([8]).
ورضاها هنا هو لمعرفتها في هذه الحالة أن صلاح الأمة وحفظ الشريعة متوقف على هذا الأمر وهو الإمامة، وهذا المقام لا يرتقى إليه إلا بالابتلاء وبالشكل الذي شاءه الله عزّ وجل، ولذا قال عليه السلام:
«شاء الله أن يراني قتيلا»([9]).
وخذ له مثلا من محكم التنزيل فقد رأى إبراهيم الخليل أن قيام بيت الله متوقف على ذبح ولده إسماعيل.

وإسماعيل عليه السلام فهم المراد من قول أبيه عليه السلام:

[فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذا تَرَىٰ] ([10]).

فرد متفهما أن الأمر ارتبط بذبحه وأن مشيئة الله اقتضت ذلك.

فكان تسليما ورضا بمشيئة الله فقال:

[قالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ].

عرف إسماعيل أن هذه الرؤيا التي رآها إبراهيم هي أمر إلهي فعليه الامتثال ولذا قال: افعل ما تؤمر ولم يقل افعل ما رأيت، وفاطمة عليها السلام: فهمت من أبيها صلى الله عليه وآله وسلم: أن قيام البيت ومناسكه متوقف على فدائه.
وفداؤه يجب أن يكون عظيما لأن الشيعة أعظم، ولذا:

[وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ]([11]).

والهاء في فديناه تعود إلى البيت وليس إلى إسماعيل، لأن إسماعيل هو الفدو المقدم للبيت فرفع عنه الأمر وقدم للبيت الحرام الحسين عليه السلام وكيف لا وهو من رسول الله صلى الله عليه وآله ورسول الله منه([12])، ولذا كان عظيما لمقامه عند الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم([13]).

الهوامش:
([1]) نهج البلاغة بتحقيق الشيخ قيس العطار: ص179: طبعة العتبة العلوية.
([2]) المصدر السابق: ص170.
([3]) المصدر السابق: ص432.
([4]) رواه الترمذي عن علي بن أبي طالب عليه السلام في السنن: ج5، ص660، برقم 3779؛ الإرشاد للمفيد: ج2، ص27؛ طبقات النعيمي: ص403؛ وذكره الهيثمي في موارد الظمآن: ص553؛ كتاب المناقب 36 باب: ما جاء في الحسن.... ص15، الحديث 2235؛ وذكره القارئ في المرقاة: ج5، ص66؛ وعزاه لأبي حاتم، والبغوي في مصابيح السنة كتاب المناقب: ص28، باب مناقب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ص10، حديث 4834.
([5]) كامل الزيارات: ص62.
([6]) سورة الأحقاف: الآية: 15.
([7]) الكافي: ج 1، ص 464، كامل الزيارات: ص 55، المناقب لابن شهر: ج 4، ص 46.
([8]) كمال الدين للصدوق: ج 2، ص 415، باب: ما روي في الإمامة.
([9]) الأخلاق الحسينية لجعفر البياتي: ص42.
([10]) سورة الصافات، الآية: 102.
([11]) سورة الصافات الآية: 107.
([12]) وهو حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي رواه أصحاب الصحاح والمسانيد، فعن يعلى ابن مرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط»، وقد أخرجه أحمد في مسنده: ج4، ص172؛ وأخرجه البخاري في الأدب المفرد: ص133 ــ 134، باب: معانقة الصبي 170، الحديث 366؛ وأخرجه الترمذي في السنن: ج5، ص658 ــ 659، كتاب المناقب 50، باب: مناقب الحسن والحسين الحديث 144؛ وأخرجه الحاكم في المستدرك: ج3، ص177، كتاب معرفة الصحابة، باب استشهد الحسين يوم الجمعة، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي؛، وأخرجه البغوي في مصابيح السنة، كتاب المناقب برقم 4833.
([13]) لمزيد من الاطلاع ينظر: هذه فاطمة وهي قلبي وروحي التي بين جنبي، للسيد نبيل الحسني: ط: العتبة الحسينية المقدسة. ص298-203.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1415 Seconds