وحدة هدف وتعدد أدوار

مقالات وبحوث

وحدة هدف وتعدد أدوار

وحدة هدف وتعدد أدوار

 

الباحث: عماد طالب موسى

 

الْحَمْدُ للهِ وَإنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ، وَالْحَدَثِ الْجَلِيلِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاّ اللهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِلهٌ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (صلى الله عليه وآله).

 

يشكل عاشوراء الحسين عليه السلام حدثا مفصليا في تاريخ البشرية عامة والإسلام خاصة؛ لِما تجلى فيه من صور البطولة، والفداء، والإيثار، والتضحية في سبيل الدين والإنسانية؛ إذ لم تكن الثورة الحسينية محصورة بهدف معين؛ فهي تفيض بروافد إنسانية غذت الأنام الحرية، وعلمتهم الوقوف بوجه الطغاة الظالمين.

 

والمتأمل في حيثيات يوم عاشوراء يجد خصلة الإيثار والتضحية في سبيل إعلاء كلمة الدين هي المحور الذي تدور عليه رحى الأحداث، وهذا التوجه يستدعي فضيلة الشهادة التي صرح بها الإمام الحسين عليه السلام في آخر خطبة له قبل خروجه من مكة المكرمة، بقوله عليه السلام: ((من كان فينا باذلا مهجته، وموطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإني راحل مصبحا إن شاء الله))([1])، فالهمّ الديني والسير على خطا آبائه عليهم السلام هو الشغل الشاغل له، ولا يمكن أن يتصور عليه السلام جلوس يزيد الفجور والمجون على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله يتصرف في رقاب الناس القتل والظلم مهددا الإسلام بالزوال، فكان لابد من مرحلة تعقب مرحلة الإمام الحسن عليه السلام وما جرى بينه وبين معاوية، إذ أخل الأخير بشروط الاتفاق وسلم البيعة لابنه يزيد، ومارس ما مارس من تصفية أصحاب الإمام علي عليه السلام، وأنصار الحسن والحسين عليهما السلام([2])، فصدح عليه السلام قائلا: ((إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومحل الرحمة وبنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق شارب خمر قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع لمثله، ولكن نصبح وتصبحون وننتظر وتنتظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة))([3]).

 

ولهذا المنطق الفصل الذي لا تأخذه في الله لومة لائم تجليات واضحة عند أبيه الإمام علي عليه السلام، وأخيه الإمام الحسن عليهما السلام، ولو فتشنا في كتاب نهج البلاغة لوجدنا كلماته تفيض في حب الآخرة والعمل لها، ونبذ الدنيا واتخاذها وسيلة لتحصيل الآخرة، فينتج عن ذلك ثنائية (الجنة والنار)، وثنائية (الشهادة في سبيل الله وعكسها الفرار)، على أن لا نغفل أجر من وطن قلبه للقاء الله مخلصا له الدين ثابتا في المعارك الا أنه لم ينل الشهادة فيها فهذا له أجره أيضًا والله لا يَتِرَهم أعمالهم.

 

ولنا أن نذكر ما قدمه النهج من قراءة للشهادة وكيف كان عليه السلام يرجو الشهادة ((وَاللهِ لَوْلاَ رَجَائِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِي الْعَدُوَّ ـ وَلَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُ ـ لَقَرَّبْتُ رِكَابِي ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ، فَلاَ أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَشَمَالٌ.

 

طَعَّانِينَ عَيَّابِينَ، حَيَّادِينَ رَوَّاغِينَ. إِنَّهُ لاَ غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اجْتَماعِ قُلُوبِكُمْ. لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ الَّتي لاَ يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلاَّ هَالِكٌ، مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ زَلَّ فَإِلَى النَّارِ!))([4])، إذ ((أقسم باستكراهه لهم واستنكافه منهم ونفرة طبعه عن البقاء معهم إلَّا أنّ له مانعا عن ذلك وهو قوله ( والله لولا رجائي ) لقاء الله بـ ( الشهادة عند لقائي العدوّ))([5]).

 

ونجد الشهادة حاضرة في دعائه عليه السلام (( اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ والْجَوِّ الْمَكْفُوفِ... إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا - فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وسَدِّدْنَا لِلْحَقِّ - وإِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ - واعْصِمْنَا مِنَ الْفِتْنَةِ))([6]).

 

ولم يكن الحسنان عليهما السلام غائبين عن هذه الأحداث بل كانا – عليهما السلام- يسايران أبيهما – عليهم السلام- في كل موقف ويستلهمان منه: الحكمة، والعلم، والشجاعة، والقيادة، حتى كانا يغوصان في اصطكاك المعارك، فقال عليه السلام في بعض أيام صفين وقد رأى الحسن(عليه السلام) يتسرع إلى الحرب: ((امْلِكُوا عنِّي هذَا الْغُلاَمَ لاَ يَهُدَّنِي، فَإِنَّنِي أَنْفَسُ بِهذَيْنِ ـ يَعْنِي الحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ(عليهما السلام) عَلَى الْمَوْتِ، لِئَلاَّ يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله)))([7]). فمن روائع هذا التعبير ودقته، و وجه علوّ هذا الكلام وفصاحته : إنّه لمّا كان في (املكوا) معنى العبد – لأن (الألف) في (املكوا) وصل؛ لأنّ الماضي ثلاثي من ملكت الفرس والدّار والعبد أملك بالكسر أي احجروا عليه كما يحجر المالك على مملوكه- فلذلك  أعقبه عليه السلام  بحرف الجر (عن) ، وذلك أنهم لا يملكونه دون أمير المؤمنين عليه السّلام إلا وقد أبعدوه عنه، فيقارب المعنى أن المطلوب شده وضبطه بقوة عن أمير المؤمنين عليه السلام، ألا ترى أنك إذا حجرت على زيد دون عمرو فقد باعدت زيدا عن عمرو، فلذلك قال: املكوا عنّي([8]).

 

فكان الإمام علي عليه السلام في اشتعال الحرب واشتدادها يأمر أصحابه برد الحسنين عليهما السلام من كبد المعركة ويعلل ذلك أنه لزاما عليه ادخارهم لمرحلة تخلو منه عليه السلام، مواصلة للخط النبوي؛ إذ هم عليهم السلام يمثلون خط النبوة، وقد صرح الإمام الحسين بذلك أمام عامل معاوية على المدينة و مروان بن الحكم: ((إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومحل الرحمة وبنا فتح الله وبنا ختم))([9])، وبحسب الموروث الفكري الذي يتمتع به الإمام عليه السلام من رسول لله صلى الله عليه وآله أنهما عليهما السلام سيكملان الطريق في هداية الناس من الضلال الى الإيمان بعده- كما سيأتي بيانه- ولكن إنما أكد في قوله عليه السلام: (فَإِنَّنِي أَنْفَسُ بِهذَيْنِ ـ يَعْنِي الحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ(عليهما السلام) عَلَى الْمَوْتِ، لِئَلاَّ يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله)) لعله يكون من باب التأكيد على هذا الأمر وإشاعته بين الناس لا سيما في هذا المقام المتموج بالحرب.

 

أما مروان هذا فقد قابل الإحسان بالإساءة؛ إذ قالوا: ((أُخِذَ مروان بن الحكم أَسيراً يوم الجمل، فاستشفع الحسن والحسين (عليهما السلام) إلى أَمير المؤمنين (عليه السلام)، فكلّماه فيه، فخلّى سبيله، فقالا له: يبايعك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ]أَفَلَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمانَ؟ لاَ حَاجَةَ لِي في بَيْعَتِهِ! إِنِّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بَايَعَنِي بِيَدِهِ لَغَدَرَ بِسُبَّتِهِ[))([10]).

 

وعندما توفى معاوية أخذ مروان يصر على بيعة الإمام الحسين عليه السلام ليزيد و يلوم والي المدينة: ((فقال له مروان والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه فوثب عند ذلك الحسين فقال يا ابن الزرقاء أنت تقتلني أم هو كذبت والله وأثمت ثم خرج فمر بأصحابه فخرجوا معه حتى أتى منزله فقال مروان للوليد عصيتني لا والله لا يمكنك من مثلها من نفسه أبدا))([11]).

 

فأهل البيت عليهم السلام يرون الدين على حقيقته، نبوة وهدى، ونورا ... وبنو أمية يرونه من خلال أمانيهم وأطماعهم ملكا، وتسلطا، وسيادة ...!! وإن ( الإمام عليا عليه السلام) لم يخدع إذن عن جوهر الموقف الذي اتخذه معاوية حين رفض بيعة الإمام، ولم يخدع عن عواقب هذا الموقف إذا تركه المسلمون يستشري ويتفاقم. وإذا كانت مقاومة هذا الجنوح الخطير واجب المؤمنين... فمن أولى المؤمنين بهذا...؟ إنهم آل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)... أهل التقوى، وأهل التضحية...!! وهكذا شرع موكب التضحيات في مسيرة عالية، كلها قمم ومرتفعات ... مستهلا بأشرف تلكم القمم وأعلاها... حياة الإمام الرشيد الشهيد ( علي بن أبي طالب ) عليه السلام ...

 

ثم بحياة الشهيد الممجَّد والعظيم ( أبي عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام) ومعه عشرات من إخوانه، وأهل بيته وصحبه، في يوم يجعل الولدان شيبا ...!! وهكذا لم تكن (كربلاء) ملحمة ذات فصل واحد، بدأ وانتهى يوم العاشر من المحرم... بل كانت ذات فصول كثيرة، بدأت قبل كربلاء بسنوات طوال ... واستمرت بعد كربلاء دهرا طويلا ... أجل ... لقد بدأت ملحمة كربلاء ومأساتها، يوم تمت خدعة التحكيم، وحين وقع التمرد الرهيب والفتنة في صفوف أتباع الإمام علي (عليه السلام)، ثم حين خلا الجو لراية الأمويين داخل الشام ... !! ولكأنما كان ( الإمام علي عليه السلام) يرى ببصيرته الثاقبة كل ذلك المصير ... !! فذات يوم في أثناء مسيره مع جيشه إلى (صفين) بلغ به السير هذه الرقعة من الأرض، فتمهل في سيره ثم وقف يتملى مشهد الفضاء الرهيب، وسالت عبراته من مآقيه، واقترب منه أصحابه صامتين واجمين، لا يدرون ماذا أسال من مقلتي الأسد الدموع ... !!، ثم سألهم ويمناه ممتدة صوب تلك الأرض التي تعلقت بها عيناه: ما اسم هذا المكان؟ قالوا: كربلاء. قال: (هنا محط رحالهم ومهراق دمائهم) ...!! واستأنف سيره. وربما لم يكن إلهامه ولم تكن بصيرته يومئذ معلقين بواحد بذاته من أهل بيته المباركين. فهو على أية حال يدرك أن المعركة التي بدأها من أجل الحق لن تنتهي... ويدرك أنه لن يصبر أحد من بعده لأوائها وضراوتها مثلما سيصبر أبناؤه الذين ورثوا البطولة كابرا عن كابر، ولعل شيئا كهذا حدث ذلك اليوم، فرأى الإمام التقي النقي بلاء أبنائه وحفدته، ذلك البلاء العظيم في سبيل القضية التي حمل لواءها، ورأى (محط رحالهم، ومهراق دمائهم) ...! القضية إذن  كانت قضية (النبوة) لا (الملك). النبوة بكل تألقاتها الورعة وموازينها العادلة .لا الملك الذي يريد نفر من الأمويين أن يردوا به وثنية الجاهلية.

 

 

 

الهوامش:

 

 

([1]) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: 86، وينظر: كشف الغمة في معرفة الأئمة: 2/ 239، والملهوف على قتلى الطفوف: 126، وبحار الأنوار: 44/ 366- 367.

 

([2]) ينظر: تاريخ اليعقوبي: 2/ 213، و الاحتجاج: 2/ 296- 297، وكشف الغمة في معرفة الأئمة : 2/ 240، و وسائل الشيعة: 2/ 446، وبحار الأنوار: 44/ 353، وأعيان الشيعة: 2/ 394.

 

([3]) الفتوح: 5/ 14، وينظر: مقتل الإمام الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/ 267- 268،  والملهوف على قتل الطفوف: 98، وبحار الأنوار: 44/ 479، وأعيان الشيعة: 2/ 392.

 

([4]) نهج البلاغة، تحقيق: د. صبحي الصالح: 175.

 

([5]) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، حبيب الله الخوئي: 8/ 107.

 

([6]) نهج البلاغة، تحقيق د. صبحي الصالح: 245.

 

([7]) نهج البلاغة، تحقيق د. صبحي الصالح:323.

 

([8]) ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، حبيب الله الخوئي:13/ 96.

 

([9]) الفتوح: 5/ 14، وينظر: مقتل الإمام الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/ 267- 268،  والملهوف على قتل الطفوف: 98، وبحار الأنوار: 44/ 479، وأعيان الشيعة: 2/ 392.

 

([10]) نهج البلاغة، تحقيق د. صبحي الصالح: 102.

 

([11]) تاريخ الطبري: 4/ 252.

 

المقالة السابقة المقالة التالية

Execution Time: 0.1008 Seconds