المشورة في فكر الامام أمير المؤمنين (عليه السلام)

741 2018-03-04


 

 

المشورة  في فكر الامام أمير المؤمنين (عليه السلام)

 

الباحث: الشيخ سجاد الربيعي

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه الحبيب المصطفى محمد وعلى آلة وسلم.

 

تحدث الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الاشتر (رضوان الله عليه)عن كيفية تمكين المسؤول من اختيار مستشاريه الاكفاء في شؤون الادارة , ليستطيع من خلال ذلك الاستفادة من أفكارهم وتجاربهم العملية وآراءهم  المدروسة  والمبنية على الاسس المنطقية. وفي ذلك يقول (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضوان الله عليه):  (وَلَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلًا يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ وَيَعِدُكَ الْفَقْرَ وَلَا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ وَلَا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ)([1])

 

1ـ  معاني الشورة:

 

المشورة: التشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض الآخر من قولهم :شرت العسل إذا اتخذته من موضعه واستخرجته منه([2]).

 

وقيل في معنى المشورة : يقال صار هذا الشيء شورى بين القوم أذا تشاوروا فيه, وهو فعلى من المشاورة, وهو المفاوضة, وفي الكلام ليظهر الحق, أي لا ينفردون بأمر حتى يشاوروا غيرهم فيه ([3]).

 

فالظاهر أن المشورة في كل شيء بحسبه , ففي الامور الخاصة يكفي فيها الاستطلاع بلا إلزام, وأما في الامور العامة خصوصا مسائل الحكم والإدارة فالظاهر أنها ملزمة للتبادر, ومنه يقال: المستشار العليم الذي يؤخذ رأيه في أمر هام علمي أو فني أوسياسي أو قضائي أو اقتصادي ونحوه, نعم قد يقال: إنه قد جرت سيرة العقلاء على الأخذ برأي المستشار وألا كانت المشورة لغوا([4]).

 

2ـ أهمية الشورى:

 

جاء مبدأ الشورى والتشاور في الاسلام كنص من النصوص الظاهرة في الإلزام في القرآن الكريم دون باقي المبادئ السياسية والاجتماعية الأخرى للدلالة على مدى أهميتهِ ودوره الفاعل في الحياة الديمقراطية للشعوب ([5]). من ذلك قوله تعالى مخاطبا الرسول : (صلى الله عليه وآله) أعلا سلطة في الناس (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)([6])

 

وقال سبحانه وتعالى في مجال المنهج السليم في بناء الحياة السعيدة المبنية على مبدأ التشاور. (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)([7]).

 

 إن مسألة المشورة والاستشارة تعد من أهم المسائل الاجتماعية في الحياة الانسانية,  وهناك نصوص عديدة من السنة الشريفة تؤكد على مبدأ التشاور .

 

منها ما ورد عن النبي :(صلى الله عليه وآله) (من أراد أمرا فشاور فيه وقضى هدي لأرشد الأمور)([8]). وعن أمير المؤمنين :(عليه السلام) قال: سئل رسول الله :(a) عن العزم فقال : ( مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم )([9]) , وعنه (عليه السلام): (حق على العاقل أن يضيف إلى رأيه رأي العقلاء ويضم إلى علمه علوم الحكماء)([10]) , وعنه ( عليه السلام) : (من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ )([11]).

 

فيتحصل: من الروايات والآيات,  إن مبدأ الشورى من المبادئ الاساسية في نظام الحكم الاسلامي, ويعد من أهم الفرائض والواجبات الاسلامية.

 

3ـ  من نجتنبه في المشورة.

 

أكد الإمام (عليه السلام) في وصيته لمالك الاشتر: (رضوان الله عليه), لكل من يتصدى ويتحمل المسؤولية أن يختار مستشاريه بشكل دقيق, ويحذر (عليه السلام) من ادخال اصناف ثلاثة من الناس في المشورة , ممن يحملون الصفات الاخلاقية المذمومة التي نهى عنها الاسلام , البخل, والجبن, الحرص.

 

 

 

الصنف الأول (البخيل) (وَلَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلًا).

 

البُخْلُ ضِدُّ الكَرَمِ والجُودِ، وقد بَخِلَ بكذا: أي ضنَّ بما عنده ولم يجُدْ، ويقال: هو بخيل وباخل، وجمعه بخلاء، ونجد الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصية لمالك, يحذر الحاكم أو المسؤول الاداري ألّا يضع في طاقم منظومة الادارية مستشارا بخيلا, لأنه يمنع المسؤول من تقديم الاحسان للناس, ويجعل الآثار الوخيمة لكل عمل ايجابي. (وَلَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلًا يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ وَيَعِدُكَ الْفَقْرَ)([12]).

 

ويحذر  (عليه السلام) من المستشارين الذين يمتلكون صفة الجبن أن يكونوا ضمن المنظومة الإدارية, لان هؤلاء يلقون الرعب في نفوس الناس و يشجعون المسؤولين على الرضوخ للذلة والمسكنة مما يؤدي الى هزيمة وانهيار الدولة, لان الجبن  هو سكون النفس عن الحركة الى الانتقام أوغيره , مما يؤدي الى مهانة النفس والذلة وسوء العيش وطمع الناس فيما يملكه, وقلة ثباته في الامور والكسل, وحب الراحة.([13]), قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ( لا ينبغي للمؤمن أن يكون بخيلا ولا جبانا)([14]).

 

وحالة الطمع والحرص اذا امتلكها الانسان يكون في حالة غير متوازنة وغير منضبطة النظر الى الامور برؤية ضيقة ويسعى صاحبها للوصول الى المنصب من خلال التسلق على الآخرين, فيصعب تفكيره في المصلحة العامة ويبقى في هواجس شخصيته ونفسه ومن عوارضه، يعبر عنه بميت القلب. قال: وأن هناك صفات تميت القلب ، وتدفع بالإنسان أن يصر على الكفر والنفاق والضلال ، وتجعله والموتى سواء لا تجدي معه عظة ولا إنذار ، ومن أهم هذه الصفات الطمع والحرص على المكاسب والمناصب . . وقد تكرر هذا المعنى بأساليب شتى ، منها قوله تعالى :((لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ))([15]) . فالطمع في الاموال والمناصب يجعل من المسؤول ان يتحول الى انسان قاسٍ وخشنٍ في تعامله مع الآخرين. ويرى (عليه السلام) أن مصاعب الامور تنتج من الحرص والطمع,  قال: المذلة والمهانة والشقاء في الطمع والحرص([16]),وعنه (عليه السلام) : أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع([17]), وعنه (عليه السلام): دلالة حسن الورع عزوف النفس عن مذلة الطمع([18]) وقال (عليه السلام): من لم ينزه نفسه عن دناءة المطامع فقد أذلّ نفسه وهو في الآخرة أذلّ وأخزى([19])، وأمثال ذلك من الرّوايات  المستفيضة في هذا المجال.

 

فيتحصل: إن الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) يحذر المسؤولين من إدخال الاصناف الثلاثة في المنظومة الإدارية, بهدف الاستحواذ على كل شيء  بغير حق ثم يقول (عليه السلام) إن الاصل في هذه الخصال (البخل, الجبن, الحرص والطمع) هو سوء الظن بالله سبحانه وتعالى. ويؤكد الامام (عليه السلام) أن هناك معاييرَ ومواصفات إيجابية للمستشارين ينبغي للمسؤول النظر والتفحص فيها, وهي على سبيل الحصر (الصدق, العقل, الاخلاص, الشجاعة, الدراية, التجربة والاختصاص, تغليب المصالح العامة على المصالح الشخصية), ويحذر (عليه السلام) إضافة الى الصفات الثلاثة التي مر ذكرها  من المواصفات السلبية الاخرى للمستشارين, وهي (الكذب, التهور, ضيق الافق, الجهل...).

 

الهوامش:

[1]ـ  نهج البلاغة , 53.

 

[2]ـ  مفردات الفاظ القرآن الكريم , الراغب الاصفهاني, 470.

 

[3]ـ  مجمع البيان ,  للطبرسي , 9 /33 : ذيل الآية : 39 من سورة الشورى.

 

[4] فقه الدولة بحث مقارن في الدولة ونظام الحكم على ضوء الكتاب والسنة والانظمة الوضعية , فاضل الصفار, 2/211.

 

[5]ـ الحرية السياسية دراسة مقارنة في المعالم والضمانات , فاضل الصفار ,64.

 

[6]ـ سورة آل عمران, الآية : 159.

 

[7] ـ  سورة الشورى, الآية : 38

 

[8]ـ  الدر المنثور, لجلال الدين السيوطي  , 6 /10.

 

[9] ـ تفسير ابن كثير القرشي, 1/.430

 

[10] ـ غرر الحكم,   496.

 

[11]ـ  نهج البلاغة,  4 /42 , الحكمة 173.

 

[12]ـ  نهج البلاغة: 53.

 

[13] جامع السعادات : للنراقي : ج1 , ص241

 

[14] كنز العمال : المتقي الهندي الجزء : 3 ص453

 

[15]ـ سورة الاعراف, الآية: 179.

 

[16]ـ  غرر الحكم , ح 2095 .

 

[17] ـ غرر الحكم , ح 3175.

 

[18] ـ غرر الحكم , ح 5161.

 

[19]ـ  غرر الحكم , ح 8871.

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك