عاشوراء في نهج البلاغة

310 2018-09-22


عاشوراء في نهج البلاغة

 

الباحث : محمد حاكم حبيب الكريطي

 

الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدث الجليل, وصلى الله على محمد وآله الأطهار, وبعد, إن القاريء للعنوان للوهلة الأولى يمكن أن يتوجس مترددا في قبول هذا الأمر, أي حديث الإمام  علي (عليه السلام) في نهج البلاغة وقبل مقتل الحسين بعشرات السنين عن تلك الحادثة العظيمة التي أحلت بآل النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، لكن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه يشير للناس أن لا يستغربوا من كلامه في هذا الأمر حيث قال: (أيها الناس لا تتراموا بالأبصار عندما تسمعونه مني فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة إن الذي أنبئكم به عن النبي الأمي (صلى الله عليه وآله) ما كذب المبلغ ولا جهل السامع، ولكأني أنظر الى ضليل قد نعق بالشام وفحص براياته في ضواحي كوفان)[1] ويتمم هذا المعنى (عليه السلام) في سياق آخر فيقول: (كم يخرق الكوفة من قاصف، ويمر عليها من عاصف. وعن قليل تلتف القرون بالقرون، ويحصد القائم ويحطم المحصود)[2] هنا لابد من دراسة هذين المقطعين من خطبه الإمام (عليه السلام) دراسة تأويلية، فلابأس من الاستعانة بالمعاني اللغوية من أجل الإقتراب من مراد الإمام، فقوله (عليه السلام) (ولكأني أنظر الى ضليل قد نعق بالشام)، الضليل في المعنى اللغوي وهو الكذاب أو نقيض الصديق [3]، فتبدو هذه إشارة منه (عليه السلام) إلى مقتل ولده أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) على يد ذلك الضليل الذي سيحكم الشام في زمانه. وقوله (نعق بالشام) ولم يقل صاح أو نادى بأهل الشام وهذا من باب أولى في ظاهر المعنى اللغوي، لكنه (عليه السلام) يعني أبعد من ظاهر الكلام، ذلك لأن (النعق دعاء الغنم بلحن تزجر به[4] فإستعمال الإمام لهذه اللفظة حتى تأخذ المعنى والدلالة التي وردت في القرآن الكريم، حيث قال تعالى (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)[5] وقريب من هذا قوله (عليه السلام) (الناس ثللاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع ينعقون وراء كل ناعق ...)[6] فالمراد من كلامه (عليه السلام) (ينعقون) هو إشارة إلى من سيسهم في قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، دون التفكير أو النظر في أمره، بل نعقوا وراء من نعق بهم وحرضهم على ذلك. وبعد ذلك يتمم خطبته (عليه السلام) ويقول: (وفحص براياته في ضواحي كوفان)،  فهنا يشير إلى رايات بني أمية في كربلاء عندما تجمعت لقتل الحسين (عليه السلام)، فعند رجوعنا إلى معجمات البلدان وجدنا أن كربلاء هي من ضواحي الكوفة، أو تسمى ظهر الكوفة آنئذ. وقيل (بسواد الكوفة ناحية يقال لها نينوى منها كربلاء )[7] فكتب البلدان والجغرافيا أشارت إلى أن من ضواحي الكوفة كربلاء، وهذا متناسب مع قوله (عليه السلام) وبعد أن تحدث عن الحرب وارتفاع وتيرتها، وهي اشارة واضحة إلى ما سيجري أو جرى في كربلاء اعتمادا على القرائن السابقة في قول الإمام (عليه السلام) فضلا عن القرائن التي ستأتي تباعا. وبعد جملة من الكلام والذي يصف به الحرب السابقة، يقول (عليه السلام) (عقدت رايات الفتن المعضلة وأقبلن كالليل المظلم والبحر الملتطم)، وهذه يمكن أن تعد إشارة واضحة منه (عليه السلام) إلى رايات دولة بني العباس، وقد كنّى عنها بالليل المظلم، وذلك للونها الأسود فقد كان شعار العباسيين السواد.، إذا انهم كانوا يلبسون السواد أيام الجمع والأعياد[8]، فجاءت ثورة العباسيين تمثل الغضب ضد الامويين، وكان شعارها يا لثارات الحسين (عليه السلام)، أما الحقيقة لم تكن كذلك، فهم ليسوا أقل ظلما من بني أمية، وقد أشار الإمام (عليه السلام) إلى ظلمهم. بعد ذلك يصل الإمام (عليه السلام  في خطبته إلى قوله: (وعن قليل تلتف القرون بالقرون ويحصد القائم ويحطم المحصود)، فقوله (تلتف القرون بالقرون) هو كناية عن اشتباك الامم, فالقرن مفرد قرون هو الامة[9] والقرون الامم السالفة [10]، ويتبين لنا أن إشارة الإمام (عليه السلام) واضحة باستعماله للفظة قرون بدل من أن يقول أمم بلفظها الاكثر استعمالا وشيوعا، وذلك لأنه كان يتفق مع المعنى القرآني عن الامم الهالكة التي نالها غضبه سبحانه، فجاء في قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ)[11] وفي آية أخرى قوله تعالى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا) [12]، فنلاحظ أن القرآن استعمل لفظة القرون بدلا من لفظة الامم التي تكون نهايتها الهلاك .

ويبدو أن الإمام (عليه السلام) قد أخذ هذا اللفظ القرآني وعبّر به عن صراع دولة بني أمية مع دولة بني العباس، وهلاك الاولى على يد الثانية. وهذه إشارات كافية تبين ما أراده الإمام (عليه السلام) بقوله الذي لا يقف عند حد معين.

 

الهوامش:

[1] - نهج البلاغة : 1/ 194

[2] - المصدر السابق : 1/195

[3] - ينظر لسان العرب : 2/ 595 , تاج العروس : 7/ 131

[4] - الفائق في غريب الحديث : 3/ 326

[5] - سورة البقرة : 171

[6] - نهج البلاغة : 4/36

[7] - معجم البلدان : 5/339

[8] - ينظر البداية والنهاية : 6/10

[9] - ينظر اتفاق المباني وافتراق المعاني : 243

[10] - ينظر المصدر السابق : 149

[11] - سورة يس : 31 

[12] - سورة الفرقان : آية 38.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك