عاشوراء اشراقة دم

مقالات وبحوث

عاشوراء اشراقة دم

عاشوراء اشراقة دم

الباحث محمد حاكم حبيب

 

الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح , والحدث الجليل , وصلى الله على محمد وآله. وبعد:

إن لشهر محرم تداعيات فكرية, تحمل زخما معنويا من الآثار منها ما يرتبط بشدة البأس والمد الروحي لمن أراد أن يتخذ من نهج الحسين نبراسا, ذلك على مختلف المستويات العقلية والإيمانية ورفع مناسيب الكرامة, وهذا مرتبط باللوحة العاشورائية التي رسمتها دماء العاشر من محرم.

 إن لخروج الإمام الحسين (عليه السلام) من مكة المكرمة في يوم التروية, ومسيره الى كربلاء بعدا دينيا واجتماعيا, أراد (عليه السلام) من خلاله أن يوصل رسالة الى العالم الإسلامي والعربي بأسره , ذلك لغرابة الموقف إذ إن الإمام (عليه السلام) ترك ركنا من أركان الإسلام وهو الحج وكان على تخوم أيامه, وفضل الخروج الى كربلاء ليوصل رسالته إلى العالم, ويضعها تحت الضوء ليشاهد العالم هذه الأهمية التي خرج (عليه السلام) من أجلها, ومعه جمع من أهل بيته, وقد أخذوا على الحسين (عليه السلام) لأنه اصطحب معه النساء والأطفال, فقال (عليه السلام) شاء الله أن يراهن سبايا [1], ومن خلال هذا الكلام نستدل أن خروج الإمام (عليه السلام) بأمر منه سبحانه وتعالى, وقضية السبايا هي من الدلائل البينة على ذلك, فضلا عن تركه لفريضة الحج وهو على اعتاب بداية مناسك الحج, فتركها وقال: من لحق بي أستشهد ومن تخلف عني لم يشهد الفتح[2], وهذا الكلام يعد من المفاتيح التاريخية حيث بدأت آثار هذه الكلمة بيّنة ومشرقة على مر العصور إلى يومنا هذا, فالفتح الذي فتحه الله تبارك وتعالى على يد الحسين وثلة من أهل بيته وأصحابه كان فتحا سماويا لا يختلف كثيرا عن ذلك الفتح الذي جاء به النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) حيث أن الدور الذي أخذه الإمام أبو عبد الله (عليه السلام) في الساحة الإسلامية أعاد للأمة هيبتها المفقودة وزرع في نفوسهم القوة والموت في سبيل الكرامة, وذلك من خلال شعاره الذي رفعه يوم عاشوراء وقال: هيهات منا الذلة, فإن المتدبر في كلامه المبارك يمكن أن يجد له تأويلات عدة, منها هيهات منا الذلة يمكن أن يقصد بكلمة (منا) محمد وآله (صلى الله عليه وآله ) ويمكن أن تحمل على المعنى الآخر وهو (منا) أي من جميع أتباع أهل البيت (عليهم السلام) لذا نلاحظ الأثر الكبير الذي أفرزته هذه اللفظة على سرعة حدوثها في ذلك الجو العاشورائي الذي كان ملتهبا بنار الحرب التي أحاطت بالحسين وأهل بيته (عليهم السلام), لكن الكلمات التي نطق بها أبو عبد الله كانت خالدة مع خلود الحسين, وكأن الأفعال والكلمات كانت هي الأخرى التي دامت شامخة إلى قيام الساعة مثلما بقي مصدرها الأول خالدا إلى القيامة وهو الإمام الحسين (عليه السلام), فعاشوراء كان ذا مواقف عدة منها الفعلية ومنها القولية وكل تلك المواقف أبت الا أن تكون حاضرة في كل الدهور, ها نحن بيننا وبين الحسين (عليه السلام) قرابة ألف وأربعمائة عام, الا أن من أراد أن يستمد منه العطاء بقول أو فعل فيتخذ منه إنموذجا , فتغيرت الخارطة الإسلامية من خلال ذلك اليوم, وتغيرت الموازين الاجتماعية بالاستناد إلى ما قدمه ذلك اليوم متمثلا بشخص الحسين (عليه السلام), إذ إن الفحش الذي تركه بنو أمية أحدث إرباكا في المنظومة القيمية الاجتماعية, وبدأ الدور الديني بالانزواء وضعف السلطة الدينية على الناس حيث أصبح الاتجاه الأموي الغارق بالفواحش هو الرمز الديني الذي يستمد منه الناس عقائدهم, إلا ما خلا بعض الناس القليلين وممن كان تابعا لأهل البيت (عليهم السلام), فظهور الحسين (عليه السلام) على ساحة كربلاء, أحدث تغيرا جذريا في المفاهيم الدينية فضلا عن الاجتماعية كما أشرنا, فقد اختزل مجموعة أدوار في هذا اليوم, فقد مثل دور رسول الله (صلى الله عليه واله) فقد كان داعيا إلى الله, لذلك من لم يلحق به لم يشهد الفتح كما قاله هو (عليه السلام), ومن كان معه في ذلك اليوم كان من المسلمين المخلصين لله, ومن خاصمه كان ممن خرج من أمة محمد (صلى الله عليه وآله) لذا فإن هذا اليوم يعد يوم الفصل الدنيوي غير يوم الفصل ذلك الذي تحدث عنه سبحانه وتعالى, إذ إن عاشوراء فضلا عما امتازت به من الروافد الاجتماعية والعقدية والفكرية. فهو يوم قد فصل بين المؤمنين والكافرين في ساعة من الزمن, حيث قال زهير بن القين في ذلك اليوم: ((يا أهل الكوفة نذار لكم من عذاب الله نذار إن حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم ونحن حتى الآن أخوة على دين واحد مالم يقع بيننا وبينكم السيف))[3]، وفي هذا القول دلالة على خروج هؤلاء القوم من الملة الإسلامية, ومثل الإسلام خير تمثيل أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) بموقفهم الخالد وثباتهم الأبي الذي رسم تاريخا آخر للإسلام , فصار يوم العاشر من محرم لوحة عالمية رسمت على إطارها مختلف الأحداث وسارت عليها أشكال الشخصيات لتكون أنموذجا للعالم بأسره.

 

الهوامش:


[1] - ينظر المحتضر, حسن بن سليمان الحلي: 82

[2] - دلائل الإمامة, محمد بن جرير الطبري: 188

[3] - الكامل في التاريخ, ابن الأثير: 4/ 63

المقالة السابقة المقالة التالية

Execution Time: 0.0842 Seconds