أوُّلُ الفداء

169 2018-11-11


أوُّلُ الفداء

 

الباحثة: خُطَى الخزاعي

الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّى الله على محمد وآله الطاهرين

رحلَ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن ليس قبل أن يُعلنَ عن إكمالِ دينِ ربِّهِ وإتمام نعمتهِ وأن يُخَلِفَ في الناس ثِقليه، ليبدأ فصلٌ جديدٌ حكى عنه الله تعالى: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ))، (آل عمران 144) (وانقلبتم: أي ارتددتم على آثاركم قصصًا وتوليتم عن الدين وعدتم كما كنتم كفارًا)([1])، وهذا الارتداد لم يكن وليد لحظته؛ بل كانت له أصولٌ أينعت قطوفها بُعيد رزيةِ فقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليكتمل مشهد انحراف مسار الرسالة ومصادرة أجرِ الرسول، وهنا وقف آلُ محمدٍ (عليهم السلام) بوجه هذا الانحراف، وكان من أول المنبرين لتلك المواجهة الزهراء فاطمة (عليها السلام)، إذ وثَّقت بخطبتها التاريخية هذا الانقلاب فقالت (عليه السلام): ((حتَّى إذا اختار الله لنبيه دار أوليائه ومحل أنبيائه، ظهرت حسكة النفاق واستهتك جلباب الدين ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الآفلين، وهذر فنيق المبطلين، يخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخًا بكم، فوجدكم لدعائه مجيبين ولعزمه متطاولين، واستنهضكم فوجدكم خفافًا، وأحمشكم فألفاكم غضابا)([2])، فقد بينت (عليها السلام) الارتداد على الأثر الأول عن طريق بيان صفات لا يتصف بها إلَّا من كان في حقيقته مايزال على عهد الكفر متجلبِبًا بجلباب الدين في الظاهر، وتستمر إلى أن تصل في وصفها إلى ذروة هذا الارتداد بقولها (ووسمتم غير إبلكم، ووردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب والكَلِم رحيب، والجرح لمَّا يندمل والرسول لما يقبر. حذرًا زعمتم خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا، وإنَّ جهنَّم لمحيطة بالكافرين))([3]) .

 

أمّا ميدانيًّا فقد جعلت الزهراء (عليها السلام) من فدك الانطلاقة الأولى نحو تلك المواجهة، ففدك تلك الأرض التي كانت شخصية الملامح سياسية المضمون والمحتوى، ذلك المحتوى الذي لم يغفل عنه المنقلبون على أعقابهم؛ بل أدركوه جيدًا وفهموا ما وراء المطالبة بفدك من قصد، إذ جُعل منها رمزًا للحقِّ الشرعي في خلافة الأمة وسياسة أمرها؛ ولهذا رفضوا ارجاعها إليها وردُّوا جميع وجوه مطالبتها بها؛ لأنَّهم وعووا أنَّ فدك تعني بيرقَ رفضٍ لسياسةٍ قامت على استلاب الحقوق، وأنَّ من تصدَّى لهذا الأمر مفتقرٌ إلى مؤهلات الإنسانية فضلًا عن مؤهلات القيادة، تلك المؤهلات التي أثبتتها لأمير المؤمنين (ع) بقولها: ((كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، أو نجم قرن الشيطان، أو فغرت فاغرة من المشركين قذف أخاه في لهواتها فلا ينكفئ حتى يطأ جناحها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه، مكدودًا في ذات الله، مجتهدًا في أمر الله، قريبًا من رسول الله، سيدًا في أولياء الله، مشمِّرا ناصحًا، مجدًا، كادحا))([4]) .

 

وممَّا تقدَّم من خطبتها (صلوات الله عليها) يتبين أنَّ المناسبة كلَّ المناسبة هو حق أمير المؤمنين في الخلافة وما عداه كانت مقدمات للمطالبة بهذا الحق .

 

وقد بيَّنت في مقطع آخر صفات من نزا على هذا المقام الشريف ((وأنتم في رفاهية من العيش، وادعون، فاكهون، آمنون، تتربصون بنا الدوائر، وتتوكفون الأخبار، وتنكصون عند النزال، وتفرون من القتال))([5])، وكأنَّها (عليها السلام) أرادت إظهار مقايسة بين المستحق والغاصب، بين من قام الإسلام على نصل سيفه وبين أُناس كانت غاية ما تجيد الفرار عند اللقاء، ولم يُرَ لنصول أسيافها بارقة في الحروب، فلربَّما أرادت نفض الغبار عن الفطرة والعقل السليمين عسى أن يحكما بمنطق العدل والاستحقاق .

 

وتعدُّ خطبة الزهراء (عليها السلام) خير توثيق لتلك المدَّة المظلمة التي مهما حاول المزيفون والمحرفون التلاعب بأحداثها لم ولن يتمكنوا، وكذلك قد تنبأت (عليه السلام) إلى ما ستؤول إليه الأمور من نتائج خطيرة جراء هذه الفتنة فقالت (سلام الله عليها) ((وأبشروا بسيف صارم، وسطوة معتدٍ غاشم، وبهرج شامل، واستبداد من الظالمين: يدع فيئكم زهيدًا، وجمعكم حصيدًا، فيا حسرة لكم! وأنَّى بكم وقد عميت عليكم! أنلزمكموها وأنتم لها كارهون))([6]). فأرادت بهذه الكلمات دق ناقوس الخطر، عسى أن يعيَ المسلمون ما يحدث، فهي لم تحتكر تلك النهضة لنفسها وآل بيتها؛ بل دعت إلى تكتل جماهيري يقف بوجه انحدار فلتات الجاهلية وإلا ستكون النتيجة التي قدمت لها، فما كان من أمر أمة أبيها إلَّا التخاذل والاستسلام لواقع الحال فاكتفوا بالتفرج على ثمرة فؤاد النبي وهي تصارع اعوجاج الأمر ولم تأخذهم الغيرة على بضعته إمَّا خوفا أو طمعًا أو بغضاً، وللسلطة الجائرة مساهمة في إعمال تلك النتيجة، وهي عزل الزهراء وآل بيتها وإفهام الرأي العام أنَّ تحركات الزهراء (عليها السلام) إنَّما كانت لأجل قضية شخصية ولا دخل للدين والآخرين فيها لتجيء الخاتمة بانتقال ذلك الكنه الإلهي إلى بارئه مصفوع الخد، مكسور الضلع، مسقط الجنين، إلى مبدأه الأعلى ومادته الأولى من النور والملكوت، فتعود إلى مجدها الشامخ وسماوية الأصل لتكون أول الفداء .

 

السلام عليك يا سيدة نساء العلمين ورحمة الله وبركاته...

 

الهوامش:

[1])) مختصر تفسير الميزان ،(ت) العلامة الطباطبائي ،انتشارات اعتصام للطباعة والنشر ،(ط2 1426ه)، 189

 

[2])) الاحتجاج 1/36

 

[3])) الاحتجاج:1/36

 

[4])) الاحتجاج: 1/136 .

 

[5])) الاحتجاج: 1/136 .

 

[6])) الاحتجاج: 1/149 .

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك