في صفة ملك الموت

مقالات وبحوث

في صفة ملك الموت

في صفة ملك الموت

 

الباحث: محمد حمزة الخفاجي.

 

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي عَلاَ بِحَوْلِهِ وَدَنَا بِطَوْلِهِ مَانِحِ كُلِّ غَنِيمَةٍ وَفَضْلٍ وَكَاشِفِ كُلِّ بَلِيَّةٍ وَأَزْلٍ أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ وَ سَوَابِغِ نِعَمِهِ وَأُومِنُ بِهِ أَوَّلاً بَادِياً وَأَسْتَهْدِيهِ قَرِيباً هَادِياً وَأَسْتَعِينُهُ قَادِراً قَاهِراً وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ كَافِياً نَاصِراً...

 

أما بعد..

 

فكثيراً ما يتحدث أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الموت، للعظة والتذكرة بفناء الدنيا لكي يعتبر الانسان به، ومن ذلك ما ذكره في خطبة له يصف فيها  (عليه السلام) ملك الموت بقوله: (هَلْ تَحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلاً أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً)[1]، فابن آدم لا يدري متى يدخل عليه ملك الموت ولا يعلم متى يتوفاه ولو أحس بذلك لأكثر من فعل الخير ولكن الانسان مشغول في الدنيا.

 

 يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (ما من أهل بيت شعر ولا وبر إلاّ وملك الموت يتصفّحهم في كلّ يوم خمس مرّات)[2]، فما أغفل ابن آدم عن الموت.

 

ثم يستفهم الإمام بقوله:  (بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى اَلْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَيَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا أَمْ اَلرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا)[3]، فهذه تساؤلات الغاية منها أثارة دفائن العقول ليسأل الإنسان عن هذه الحالة النادرة فالجنين في بطن أمه كيف يصل له ملك الموت هل يدخل له عن طريق الأم ذلك من خلال الجوارح كالشرايين والأوردة أو هنالك طريقة أخرى وهي التي بيَّنها الإمام بقوله: (أَمْ اَلرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا)[4]، فهذه الحالات الثلاثة التي ذكرها الإمام تثير الدهشة وهي أسئلة منطقية، فبأيِّ طريقة تسلب هذه الروح عن جسد الجنين وهو في تلك الظلمات.

 

قال الإمام الصادق (عليه السّلام): (أنّه قيل لملك الموت: كيف تقبض الأرواح وبعضها في المغرب وبعضها في المشرق في ساعة واحدة؟ فقال: أدعوها فتجيبني، قال: فقال ملك الموت (عليه السّلام): إنّ الدّنيا بين يديّ كالقصعة بين يدي أحدكم يتناول منها ما شاء).

 

قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}[5].

 

فهذا الملك موكل من قبل الله في قبض الأرواح، وسبحانه أعطاه قدرة وقوة عجيبة بحيث لا يحس به إذا دخل بيت، كذلك قدرته في تولي أكثر من قبض روح واحدة في وقت واحد فكل هذا خارج عن قدرة البشر.

 

ثم يقول (عليه السلام): (كَيْفَ يَصِفُ إِلَهَهُ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ)، وهذا الخطاب موجه لمن يصف الله ويجعل له جوارح وأدوات، أي كيف تصف إله وانت لا تقدر أن تصف مخلوقاً من خلقه فعزرائيل (عليه السلام) مخلوق فانٍ كبقية المخلوقات يأتيه الأجل، أما رب العزة فهو باقٍ لا تركه الأفكار والأوهام ولا يصل لكنهه أحد من الخلق.

 

يقول الإمام (عليه السلام): (إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا اَلْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ فَصِفْ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَجُنُودَ اَلْمَلاَئِكَةِ اَلْمُقَرَّبِينَ فِي حُجُرَاتِ اَلْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ اَلْخَالِقِينَ).

 

وإن الغاية من ذكره (عليه السلام) لهذه المخلوقات العظيمة ليعرف العباد قدرة الله وعجيب خلقه، ومن هذه المخلوقات العجيبة نستدل على جوده سبحانه.

 

والختام أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على حبيب آله العالمين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

الهوامش:

[1] - نهج البلاغة: 112، ص167.

[2] - الكافي، 3، ص256.

[3] - نهج البلاغة: 112، ص167.

[4] - نهج البلاغة: 112، ص167.

[5] - سورة السجدة: 11.

المقالة السابقة المقالة التالية

Execution Time: 0.1048 Seconds