الفتنة وآثارها على المجتمع بين القرآن الكريم ونهج البلاغة.

155 2018-11-29


الفتنة وآثارها على المجتمع بين القرآن الكريم ونهج البلاغة.

 

الباحث: عماد طالب موسى

 

الْحَمْدُ للهِ وَإنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ، وَالْحَدَثِ الْجَلِيلِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاّ اللهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِلهٌ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ(صلى الله عليه وآله). أما بعد:

 

فيغطي مصطلح الفتنة إجراءات متعددة، ويشغل مساحات واسعة بحسب حركية اللغة في تقديمه، والسياق الذي ولدت فيه تلك الأحداث، وهذا التعدد في الاستعمال نجده مبثوثًا في القرآن الكريم بكثرة ملفتة للقارئ، مُلبِسُهُ- المصطلح- قراءاتٍ عِدَّةً لها علاقة بطريقة أو بأخرى بأصل المادة اللغوي الذي يعود إلى (فَتَنَ) الذي وسمته المعجمات العربية بمعانٍ أهمها: إحراق الشيء بالنار، قال تعالى: ((أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ))([1])، وقال جل ثناؤه: (( يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ))([2])، أي يحرقون، وبمعنى العذاب، والابتلاء والاختبار، والفتن ما يقع بين الناس من حروب([3])، وجِمَاعُ مَعْنى الفِتْنَةِ فِي كَلَام الْعَرَب الابْتَلاءُ والامْتِحَانُ وَأَصلهَا مأخوذٌ من قَوْلك: فَتَنْتُ الفِضّةَ والذَّهَبَ إِذا أذبتهما بالنَّار ليتميز الرَّدِيء من الجَيِّد([4])، وبحسب هذا لا تخلوا الفتنة من فائدة وهي تمييز الجيد من الرديء، والمؤمن من المدغل، إذ الناس في الرخاء والدعة تشعر منهم الإيمان، وتلوِّح فيهم التضحية ولكن أحسبوا أن يتركوا أن يقولوا آمنَّا وهم لا يفتنون، والله سبحانه يعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فلابُدَّ من محطات تنقية تكشف عن معادن الإيمان ليُتَّخذوا مثالا يُقتدى به، ودسائس النفاق ليكونوا عبرة يُتَجنَّبُ الوقوع بمنزلقاتها.

 

ومن موارد الفتنة تلك التي ذكرها الإمام عليّ عليه السلام في خطبة له في البصرة عندما سُئل عنها، نذكر منها: (( قام إليه(عليه السلام) رجل فقال: أخبرنا عن الفتنة، وهل سألت عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال (عليه السلام): لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ، قَوْلَهُ: (الم * أحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْركُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ) عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لاَ تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله) بَيْنَ أَظْهُرِنَا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتي أَخْبَرَكَ اللهُ بِهَا؟، فَقَالَ: ( يَا عَلِيُّ، إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِي). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُد حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَشَقَّ ذلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتَ لِي: (أَبْشِرْ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ)؟. فَقَالَ لي: (إِنَّ ذلِكَ لَكَذلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذَنْ)؟. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيسَ هذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، وَلكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ البشرى وَالشُّكُرِ) ([5]).

ومن يدقق النظر في سياق الخطبة المباركة يجد أن الخطبة تضمنت إشارات تساعد في تقديم قراءة لمفهوم الفتنة أو المقصود بها إذا ما أخذنا المعنى العام للآية المباركة بأنها (الاختبار والامتحان)، ومن هذه الإشارات نذكر: 

1-     قول الإمام عليه السلام: (عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لاَ تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله) بَيْنَ أَظْهُرِنَا)؛ والسرّ في ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله موجود وهو قائد الأمة الإسلامية فكان الناس طائعين، ولكن يظهر الاختبار والامتحان في الدين بعد رحيل الرسول الأكرم فتصرح النفوس المريضة عن ضغائنها وتتكالب على السلطة والمال تاركة كلَّ الإرث النبوي فيهم، وهذا ما حدث في السقيفة وغيرها من الفتن التي عصفت بكيان الأمة الإسلامية وغصبت حق الإمام علي عليه السلام بالخلافة بعد كـلِّ تأكيدات الرسول الأكرم عليه. 

2-     التساؤل الذي طرحه الإمام عليه السلام عقب تبليغ الرسول عن الفتنة : ( فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُد حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَشَقَّ ذلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتَ لِي: (أَبْشِرْ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ). فيشعر أن هذا التساؤل له علاقة وثيقة بمفهوم الفتنة التي قصدها الرسول الأكرم، وكأنَّه عليه السلام هو المقصود من سياق كلام الرسول صلى الله عليه وآله في الفتنة، و وأكثر الروايات تشير إلى أنَّ الفتنة تكون بولايته عليه السلام([6]). 

3-     تطمين الرسول صلى الله عليه وآله للإمام علي عليه السلام، بقوله: (إِنَّ ذلِكَ لَكَذلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذَنْ)؟. إذ طمأنه بالشهادة في سبيل الله، ثم سأله عن صبره، والصبر هنا على أذى الناس وفتنتهم منه عليه السلام، فأكد له  (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيسَ هذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، وَلكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ البشرى وَالشُّكُرِ)؛ فتكون الآية القرآنية أدق هنا من غيرها ؛ لأنه يحمل المعنى العام للفتنة وهو (الابتلاء والاختبار) ولا أجدى من المائز الذي به تعرف سرائر القوم من وصي النبوة؛ إذ قال له النبي صلى الله عليه وآله : ((ولولا انت يا على لم يعرف المؤمنون بعدي)) ([7])، وعن ((زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي ( عليه السلا م ) قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله أنت أخي ووزيري وخير من أخلفه بعدي ، بحبك يعرف المؤمنون وببغضك يعرف المنافقون من أحبك من أمتي فقد برئ من النفاق ومن أبغضك لقي الله عز وجل منافقا)) ([8]).

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين. 

 

الهوامش:

([1]) سورة التوبة: 49.

([2]) سورة الذاريات: 13.

([3]) ينظر: كتاب العين، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (المتوفى: 170هـ)، تحقيق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال: 8/127، وجمهرة اللغة، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (المتوفى: 321هـ)، تحقيق: رمزي منير بعلبكي،  دار العلم للملايين – بيروت، ط1، 1987م: 1/ 406.

([4]) ينظر: تهذيب اللغة، محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى: 370هـ)، تحقيق: محمد عوض مرعب،  دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط1، 2001م: 14/ 211.

([5]) نهج البلاغة، تحقيق: د. صبحي الصالح: 220. 

([6]) ينظر: الإرشاد، الشيخ المفيد( ت: 413ه)، تحقيق: مؤسسة آل البيت(ع) لتحقيق التراث، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع- بيروت- لبنان، ط2، 1414ه- 1993م: 1/ 191، ومناسك الحج، الشيخ فاضل اللنكراني: 276، و مسند زيد بن علي، زيد بن علي( ت: 122ه)، منشورات دار مكتبة الحياة- بيروت – لبنان: 405،  و شرح أصول الكافي،  مولي محمد صالح المازندراني، تحقيق : مع تعليقات : الميرزا أبو الحسن الشعراني / ضبط وتصحيح : السيد علي عاشور، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان ، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، ط1،

1421 - 2000 م: 6/ 250.

([7]) مناسك الحج، الشيخ فاضل اللنكراني: 276.

([8]) مسند زيد بن علي، زيد بن علي( ت: 122ه)، منشورات دار مكتبة الحياة- بيروت – لبنان: 405.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك