كوثرٌ مهدورٌ

212 2018-12-18


كوثرٌ مهدورٌ

 

بقلم الباحثة: خُطَى الخزاعي

 

اصطحبت يراعتي وهممّت للانطلاق بهمةٍ باحثًا عن حقيقةٍ كان لابدَّ ليَ منها ،وما كدتُ أن أسيرَ؛ حتى تراءت لي زحمةُ السبلِ المتقاطعة فيما بينها جعلتني أقفُ متحيرًا، فيا ترى بأيٍّ منها أمضي وأيِّها أترك، أرجعتُ خطوتي الى الوراء متريثًا خوف المتاهة والضلال، لم تطل وقفتي فسرعان ما لاح لي طريقٌ مختلفٌ بدا سويًا أرجع فيَّ العزم على الاقدام من جديد، وما إن خطوتُ فيه خطوتي الأولى ؛حتى شعرت ببرد الأمن الأمر الذي جعلني أتقدم بثقة وأقطف عند كل خطوة من خطواتي حقيقة ما فتنبري يراعتي لتدوينها الى أن صار هناك ثَمَّة معارفَ حصّلتها بعمر مسيري ، لكن كان هناك شعور قد رافقني بأنَّ كلَ حقائقي مَدينةٌ لحقيقة أُم ولكن ماهي؟ ما كان منّي إلّا أن أُواصل مسيري متعكزًا على يراعتي متقاسمًا إياها ثقل الحصاد علّي أحظى بأُم حقائقي عندَ خطوةٍ ما، ثم لم أدرِ كيف وصلت الى خاتمة الطريق لأجدني أمام بابٍ نصف مفتوح ، دخلتُ متهيبًا لِأرى ما وراءه فلم أرَ شيئًا لأنَّ الظلام كان حاكمًا، دارَ بصري في الأرجاء علّي أجدُ مخرجًا ؛ وإذا بخيط من نورٍ لا أدري إن كنت رأيتُه أو أحسستُه قد فتق ذلك الظلام وأخذ مساره صوب وجهةٍ فتبعته، فإذا أنا بباحةٍ نصفها مظلمٌ والآخر مضيء بضوء خافت توسطتها رحىً كانت كذلك بنصفين مظلمٌ ومضيءٌ ، جلست في النصف المضيء واضعًا بجنبي يراعتي وحقائقي، وما كدت آخذ أنفاسي، حتى بدأت الرحى بالدوران، وصرت أسمع لها صوتًا يخرج مع دوران حجريها راويًا لي حكايةَ دار، تلك الدار التي كان يشعُ منها نورٌ مزهرٌ يتوسطها محرابٌ متصلٌ بالعرش اتخذه الوحيُّ طريقًا، ينزل منه حاملًا معه الآيات البينات ويأخذ صاعدًا تراتيل الحمد والابتهالات، كما وأرتني براءةَ صبيةٍ وأسمعتني ضحكاتِهم كما وأسمعتني كذلك طرقات يدٍ حانيةٍ تستأذن بالدخول وهي ترتل آية الطهر، فاستمتعت بروايتها وعشت تفاصيل حكايتها، ولكنَّي سرعان ما استرجعت مقولتها، لقد قالت للتو.. نورٌ مزهرٌ فبادرتها بالسؤال.. نور مزهر؟؟ ولكني لم أر إلا الظلام، مالي أرى المكان مظلمًا؟؟ ما خلا هذا الضوء الذابل، ثُّم إنَّي لم أر كل ما قلتِ؟؟ وهنا اضطربت وبدت تدور بصعوبة لاحظتها وتحشرج صوتُها فتناهى منه الى سمعي كلماتٌ مبعثرة ٌلم أعِها بِدءًا (نار... مسمار... رفسة... جنين... ضلع)، فصرت أبحث عمَّن يفسرُ لي مقالتها؛ وإذا بي أقف مدهوشًا، فما أرادت قوله تجسد أمامي وتجلّى؛ فبصُرت شياطينًا قد أحاطوا بالباب يحملون أقباس نار، متوعدين أهل الدار، ثُّم أرسلوا مسمارًا ليغتالَ ذلك النور، فيسقط الخمار محتضنًا برعمًا كان الموت له أول المذاق، ورأيت النار كيف التهمت بصمات تلك الطرقات الحانية، لتختم المشاهد برؤية يدين رحيمتين وهما يطوقان صبية أحالَ الشياطين ضحكاتهم الى نشيجٍ وصراخٍ ..أشحتُ بوجهي متحطّمًا، إذ لا طاقةَ لي  برؤية المزيد من المأساة ، فبكيت طويلًا ، وإذا بذلك الضوء الخافت قد حرف مساره باتجاه النصف المظلم من المكان ولا أدري أيضًا إن كنت قد رأيت أو أحسست بقادمٍ جاء من زمن بعيدٍ محكمًا لثامُه؛ وقف في المكان واتكأ على سيفه ،فبادرته بالسؤال أما ترى ؟؟ قال: بلى بصوت تملئه العبرة، ولكن ليس قبل أن تدورَ الرحى من جديد، ثُّم أومأ الى حقائقي التي قد نسيتها فقامت بين يديه وراح يكلّمها لتنطلقَ ملبيةً أمره فتدور حول الباب دوران الكواكب حول الشمس، وهنا أدركت ما قصد وقصدُه ماكنتُ أبحثُ عنه ، لتفصحَ عنه يراعتي بسجودها عند أعتاب ذلك الباب لتنتهي رحلتي بتوقيعتها الأخيرة (أم الحقائق كوثرٌ مهدورٌ) ([1]).

 

الهوامش:

[1] المصدر: كل نفس آمنت بقضية الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها)، ووجدتها محور الدين.

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك