الهادي... ممهِّدًا للمهدي ومُبشرًا به

96 2019-03-11


 الهادي... ممهِّدًا للمهدي ومُبشرًا به

 

خُطَى الخزاعي

 

(أطيب الناس بهجة، وأصدقهم لهجة، وأملحهم من قريب، وأكملهم من بعيد، إذا صمت علته هيبة الوقار، وإذا تكلّم سماه البهاء، وهو من بيت الرسالة والإمامة، ومقرّ الوصيّة والخلافة، شعبة من دوحة النبوّة منتضاة مرتضاة، وثمرة من شجرة الرسالة مجتناة مجتباة)([1])، هكذا قدّم ابن شهر آشوب في المناقب للحديث عن إمامنا علي الهادي النقي بن محمد الجواد (صلوات الله وسلامه عليهما)، فرع الإمامة العاشر الذي شرّف الوجود بمقدمه المبارك في الثالث من رجب سنة 212هـ أو 214 هـ([2])، بقرية صريا([3])، أُمُّه أم ولد تدعى سُمانة المغربية ذات الرفعة والشرف، وقد جاء في حقها على لسان ولدها المعصوم: (أمي عارفة بحقي، وهي من أهل الجنة، لا يقربها شيطان مارد، ولا ينالها كيد جبار عنيد، وهي مكلوءة بعين الله التي لا تنام، ولا تتخلف عن أمهات الصدّيقين والصالحين)([4])، امتازت إمامته مع إمامة الجواد والعسكري (صلوات الله وسلامه عليهم) بطابع التهيئة والتمهيد لإمامة خاتم الأئمة (عليهم السلام)، وذلك بإدخال الشيعة بحالة من المران والاعتياد على بعض الشؤون التي لم تسبق في إمامة الأئمة السابقين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) بغيةَ معالجة ما قد يُستغرب أو يُستنكر في الإمامة الخاتمة من مستجدات تحاكي حكمته تعالى في الخلق ومن هذه الشؤون:

 

·       صِغر سن الإمام عند توليه مَهمة الإمامة: وهذا ما تحقق مع الإمامين محمد الجواد(صلوات الله وسلامه عليه) الذي اضطلع بمهامه الإلهية وهو بعمر ست سنين وشهور([5])، والامام علي الهادي( صلوات الله وسلامه عليه) بعمر ست سنين وخمس شهور([6]) أو ثمان سنوات([7])، ممهدين بهذا السبق في خصوص أئمة أهل البيت(عليهم السلام) لإمامة الإمام المهدي(عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، إذ عندما سيقوم بمهام إمامته بعد ذلك وهو بعمر خمس سنوات، سيكون هذا الأمر معهودًا ومسبوقًا بمثال عند الشيعة ومُمارسًا بصورة فعلية في أئمتهم فيتقبلوه بلا تكلّف.

 

·       التغييب القسري للإمام والإبعاد عن الجماهير الموالية: إذ عمد حكام الجور إلى زجِّ بعض الأئمة في غياهب السجون، أو جعلهم  تحت إقامة جبرية؛ ليبقوا تحت أعين السلطة الجائرة فيتسنى لها رصد تحركاتهم، والحد من نشاطهم واحتكاكهم بقواعدهم الموالية، وبهذا الإجراء الذي تمَّ على أيدي الظالمين أدى الأئمة (عليهم السلام) مَهمة التوطئة للغيبة في الإمامة الخاتمة، وفعّلت سلطات الجور هذا الإجراء مع الإمامين موسى بن جعفر ومحمد الجواد (صلوات الله وسلامه عليهما)، وازداد شدةً بالغةً فبلغ ذروته مع الإمامين الهادي والعسكري (صلوات الله وسلامه عليهما)، فأمَّا الإمام الهادي (صلوات الله وسلامه عليه) ومنذ طفولته وبعد شهادة أبيه الجواد (عليه السلام) عزم المعتصم العباسي بقلة فهمه ودرايته على عزل الإمام الهادي عن محيطه، وتعبئته بثقافة البغض والاختلاف عن نهج آبائه الطاهرين، مستغلًا صغر سن الإمام إذ (روى المسعودي بإسناده عن الحميري، عن محمّد بن سعيد مولى لولد جعفر بن محمّد، قال: قدم عمر بن الفرج الرخجي المدينة حاجّاً بعد مضيّ أبي جعفر الجواد (عليه السلام)، فأحضر جماعة من أهل المدينة والمخالفين المعادين لأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله )، فقال لهم: أبغوا لي رجلًا من أهل الأدب والقرآن والعلم، لا يوالي أهل هذا البيت، لأضمّه إلى هذا الغلام وأُوكله بتعليمه، وأتقدّم إليه بأن يمنع منه الرافضة الذين يقصدونه، فأسموا له رجلًا من أهل الأدب يكنّى أبو عبد الله، ويعرف بالجنيدي، وكان متقدّماً عند أهل المدينة في الأدب والفهم، ظاهر الغضب والعداوة؛ فأحضره عمر بن الفرج وأسنى له الجاري من مال السلطان، وتقدّم إليه بما أراد، وعرّفه أنّ السلطان أمره باختيار مثله وتوكيله بهذا الغلام، قال: فكان الجنيدي يلزم أبا الحسن (عليه السلام) في القصر بـ (صريا)، فإذا كان الليل أغلق الباب وأقفله، وأخذ المفاتيح إليه، فمكث على هذا مدّة، وانقطعت الشيعة عنه وعن الاستماع منه والقراءة عليه، ثمّ إنّي لقيته في يوم جمعة، فسلّمت عليه، وقلت له: ما حال هذا الغلام الهاشمي الذي تؤدّبه؟ فقال منكراً عليّ: تقول الغلام، ولا تقول الشيخ الهاشمي! أُنشدك الله هل تعلم بالمدينة أعلم منّي؟ قلت: لا، قال: فإنّي والله أذكر له الحزب من الأدب، أظنّ أنّي قد بالغت فيه، فيملي عليّ بما فيه أستفيده منه، ويظنّ الناس أنّي أُعلّمه وأنا والله أتعلّم منه، قال: فتجاوزت عن كلامه هذا كأنّي ما سمعته منه، ثمّ لقيته بعد ذلك، فسلّمت عليه، وسألته عن خبره وحاله، ثمّ قلت: ما حال الفتى الهاشمي؟، فقال لي: دع هذا القول عنك، هذا والله خير أهل الأرض، وأفضل من خلق الله تعالى، وإنّه لربما همّ بالدخول فأقول له: تنظر حتّى تقرأ عشرك، فيقول لي: أيّ السور تحبّ أن أقرأها؟ وأنا أذكر له من السور الطوال ما لم يبلغ إليه، فيهذّها بقراءة لم أسمع أصحّ منها من أحد قطّ، بأطيب من مزامير داود النبيّ التي بها من قراءته يضرب المثل، قال: ثمّ قال: هذا مات أبوه بالعراق، وهو صغير بالمدينة، ونشأ بين هذه الجواري السود، فمن أين علم هذا؟ قال: ثمّ ما مرّت به الأيام والليالي حتّى لقيته فوجدته قد قال بإمامته)([8])، واستمر التضييق والإبعاد للإمام الأمر الذي ألجأَه في الغالب إلى بثِّ علومه وقضاء حوائج شيعته عن طريق المراسلات([9])، ممهّدًا كذلك مع الإمامين الجواد والعسكري لطريقة تواصل الإمام الخاتم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مع أصحابه عن طريق التوقيعات الشريفة، فعبّأ (عليه السلام) ظرفه المتاح له بمراسلات ومناظرات في شتَّى أبواب العلم وجوانب المعرفة، حاكيًا بتبليغه هذا مشيئة الله تعالى وإرادته في التبليغ بالرغم من قمع الظالمين، ويتم رسالته (صلوات الله وسلامه عليه) وتجيء الخاتمة فيرتقي شهيدًا مسمومًا بغدر من المعتز بشيطانه في مثل هذا الشهر من سنة 254هـ([10])، ويُحسن الختام بسيد الكلام وهو قوله (صلوات الله وسلامه عليه) بمعرض حديثه مع السيد عبد العظيم الحسني عندما عرض على الإمام الهادي عقيدته فقال له متممًا ومبشرًا بالمهدي: (... ومن بعدي الحسن ابني فكيف للناس للخلف من بعده ؟ قال: فقلت: وكيف ذلك يا مولاي ؟ قال: لا يرى شخصه ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، قال: فقلت: أقررت وأقوله إنَّ وليهم ولي الله وعدوهم عدو الله وطاعتهم طاعة الله ومبغضهم مبغض الله ومعصيتهم معصية الله... فقال علي بن محمد (عليهما السلام): يا أبا القاسم هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه ثبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة)([11])، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعنة على أعداء الله ظالميهم من الأولين والآخرين.

الهوامش:

[1])) مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، المتوفى:588: 3/505

 

[2]))  ينظر: موسوعة المصطفى والعترة ( ع )، الحاج حسين الشاكري: 14/11   

 

[3]))  وهي قرية أسسها موسى بن جعفر عليهما السلام على ثلاثة أميال من المدينة ، المناقب

 

  لابن شهر آشوب : 4/382    

 

[4]))  دلائل الامامة، محمد بن جرير الطبري ( الشيعي )، المتوفى في ق4: 410   

 

[5]))  دلائل الامامة: 388

 

[6]))  بحار الأنوار :50/114

 

[7])) موسوعة المصطفى والعترة ( ع ): 14/39

 

 

[8])) موسوعة المصطفى والعترة ( ع ): 14/39-40

 

[9])) موسوعة المصطفى والعترة ( ع ): 14/45

 

[10])) ينظر: إعلام الورى بأعلام الهدى، الشيخ الطبرسي، المتوفى548: 2/109

 

[11]))  كفاية الأثر، الخزاز القمي ،المتوفى : 400 هـ : 287-288

 

 

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك