وصي الوصيين (عليه السلام)

78 2019-04-11


وصي الوصيين (عليه السلام)

 

الباحث: علي فاضل الخزاعي

 

الحمد لله الذي أزهر القلوب بدعائه، وأينع براعم الإيمان بندائه، وأوسق ثمار العقيدة بمناجاته، وهدانا بما أنزل من صحفه ورسالاته، والصلاة والسلام على أشرف من دعاه من خلائقه وبرياته أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله، وعلى أهل بيت نبيه، كلماته وأبوابه، وحمله فرقانه، ومفاتيح رحمته ومقاليد مغفرته، ومحل كرامته، أهل ولاء الله وولايته، من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله.

الله سبحانه وتعالى جعل أهل البيت (عليهم السلام) أمناء على خلقه كونهم أكمل الخلق عقلاً وانبلهم خَلقًا وخُلقًا وأطهرُ نسلًا، ومن هؤلاء الدرر المكنونة هو الإمام السجاد علي بن الحسين عليه السلام، هو رابع أئمة اهل البيت (عليهم السلام) وجدَه الامام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب وصيِّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

ونسبه الشريف هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، زين العابدين، وإمام المتقين، كنيته أبو محمد[1]. ولد بالمدينة يوم الأحد خامس شعبان[2] سنة ثمان وثلاثين وفي بعض النسخ (ثلاث وثلاثين) من الهجرة. وقبض عليه السلام بالمدينة سنة خمس وتسعين، وله يومئذ سبع وخمسون سنة، أمُّه شاه زنان بنت يزدجرد بن كسرى، وقبره ببقيع المدينة[3].

من صفاته والقابه وما ذكر في فضله وهي كثير ومن جملة ما نعت به هو آدم الثاني، هو نوح الثاني، هو إبراهيم الثاني، هو سيد العباد، وهو العابد السجاد، هو زين العبادين وسيد المجتهدين، وامام المؤمنين وأبو الأئمة المعصومين وبقية الصالحين، واحد البكائين . وهو المنعوت بذي الثفنات، والناطق له الحجر بالبينات وهو ذو الاعلام الباهرات، وصاحب المعجزات والكرامات، سمي جده علي وشبيهه في العبادات، ويقال له قائم الليل صائم النهار الراغب في الآخرة الزاهد في الدنيا، المصفر اللون من السهر، المنخرم الانف والجبهة من السجود هو حسن الصحبة وزوار الكعبة، حليف القرآن، حبيب الرحمن صالح أهل بيت الخير رفيق الملائكة والخضر المغضي من الحياء، المتشوق إلى الدعاء، يكنى بابي محمد وأبي الحسر وأبي بكر، بقي مع جده أمير المؤمنين سنتين ومع عمه الحسن عشر سنين، ومع أبيه بعده عشر سنين، وبقى بعد مضي أبيه خمسا وثلاثين سنة، وقد امتلأ بسيط الأرض من أولاده وأكثرهم أبرار[4].

أولاده: ولد الإمام عليّ بن الحسين تسعة بنين وسبع بنات، أعقب منهم ستّة: الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) وعبد الله الباهر ؛ أُمّهما أُمّ عبد الله بنت الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وزيد ، وعمر الأشرف ، أُمّهما جيداء ، جارية اشتراها المختار ابن أبي عبيدة بمائة ألف درهم وبعثها إلى عليّ بن الحسين ( عليه السلام ) فأولدها زيداً وعمرا ، والحسين الأصغر ، وأُمّه أُمّ ولد رومية - وقيل أُمّه أُمّ عبد الله والصّحيح الأوّل - تدعى عنان ؛ وعلي بن علىّ بن الحسين ( عليه السلام ) أُمّه أُمّ ولد لا خلاف ، وهو أصغر أولاده الّذين أعقبوا ، وهؤلاء السّتّة من أولاده الّذين لهم العقب وإليهم ينتهى أنساب جميع الحسينية[5].

 

من الدلائل والبراهين الواضحات التي تحلَّى بها إمامنا زين العابدين (عليه السلام) في بيان عصمته وبيان منزلته عند الله عز وجل كثيرة وإن دل على شيء إنما يدل على كونه من نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونسل أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن جملة ما ورد عن أهل البيت في مناقبه ومعاجزه (عليه السلام).

عن عسكر مولى أبي جعفر الإمام التاسع (عليه السلام) عن أبيه (عليهما السلام) عن علي بن موسى بن جعفر عن جعفر بن محمد ( صلوات الله عليهم أجمعين ) قال : دخلت عليه طائفة من شيعة الكوفة فقالوا : يا ابن رسول الله، الأنبياء كلهم عابدون لله فكيف سمي جدك علي بن الحسين سيد العابدين فقال الصادق (صلوات الله عليه) ويحكم اما سمعتم قول الله عز وجل : (نرفع درجات من نشاء) وقوله تعالى : (هم درجات عند ربهم) وقوله تعالى : (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ) فماذا أنكرتم ؟ قالوا : أحببنا ان نعلم ما سألنا عنه فقال : ويحكم ان إبليس لعنه الله ناجى ربه فقال إني قد رأيت العابدين لك من عبادك منذ أول العهد إلى عهد علي بن الحسين (عليه السلام) فلم أر اعبد لك ولا أخشع منه فأذن لي يا الهي ان اكيده وابتليه لأعلم كيف صبره فنهاه الله عز وجل عن ذلك فلم ينته وتصور لعلي بن الحسين وهو قائم يصلي في صلاته فتصور في صورة أفعى لها عشر رؤوس محددة الأنياب متقلبة الأعين بحمرة وطلع عليه من الأرض من موضع سجوده ثم تطاول في قبلته فلم يرعه ولم يرعبه ذلك ولم ينكس رأسه إليه فانتفض إبليس لعنه الله إلى الأرض في صورة الأفعى وقبض على عشر أنامل رجلي علي بن الحسين (صلوات الله عليه) وأقبل يكدمها بأنيابه وينفخ عليها من نار جوفه وكل ذلك لا يميل طرفه إليه ولا يحول قدميه عن مقامه ولا يختلجه شك ولا وهم في صلاته وقراءته فلم يلبث إبليس لعنه الله حتى انقض عليه شهاب من نار محرق من السماء فلما أحس به صرخ وقام إلى جانب علي بن الحسين في صورته الأولى ثم قال : يا علي أنت سيد العابدين كما سميت وأنا إبليس كما جنيت والله لقد شهدت عبادة النبيين والمرسلين من عهد أبيك آدم إليك فما رأيت مثلك ولا مثل عبادتك ولوددت انك استغفرت لي فان الله كان يغفر لي ثم تركه وولى وهو في صلاته لا يشغله كلامه حتى قضى صلاته على تمامها فكان هذا من دلائله (عليه السلام) [6].

لقد نشأ زين العابدين في بيت النبوة، الذي توالت عليه المصائب، والنكبات، وكان - عليه السّلام - على صلة وثيقة بالاحداث التي أعقبت تربع يزيد بن معاوية على كرسي الحكم، والذي اعتبر تحدّياً للِاسلام وإهانة للمسلمين، ممّا دعا الإمام الحسين إلى الثورة لمواجهة الخطر، فقاد - عليه السّلام - موكب الثائرين ضد الفساد والطغيان، وكان زين العابدين في ذلك الموكب الحسيني الثائر، ورأى بأُم عينيه حيث أقعده المرض في تلك الأيام عن القتال مصارع أبيه وإخوته، وأعمامه، وأنصارهم على صعيد كربلاء، وشهد تلك الجرائم البشعة التي ارتكبت بحقّهم[7] .

ونقل عن الإمام السّجاد (عليه السلام) أنّه قال: فإنّه لمّا أصابنا بالطّف ما أصابنا وقتل أبي (عليه السلام) وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله، وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعا ولم يواروا فعظم ذلك في صدري واشتدّ لما أرى منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبيّنت ذلك منّي عمّتي زينب الكبرى بنت عليّ (عليه السلام)، فقالت: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأبي وإخوتي. فقلت: وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى سيّدي وإخوتي وعمومتي وولد عمّي وأهلي مضرّجين بدمائهم، مرمّلين بالعرى، مسلّبين، لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر، كأنّهم أهل بيت من الدّيلم والخزر. فقالت: لا يجزعنّك ما ترى فوالله إنّ ذلك لعهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جدّك وأبيك وعمّك، ولقد أخذ الله ميثاق أُناس من هذه الأُمّة لا تعرفهم فراعنة هذه الأُمّة، وهم معروفون في أهل السّماوات إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرّقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرّجة وينصبون لهذا الطّف علماً لقبر أبيك سيّد الشّهداء، لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور اللّيالي والأيّام ، وليجتهدنّ أئمّة الكفر وأشياع الضّلالة في محوه وتطميسه ، فلا يزداد أثره إلاّ ظهوراً ، وأمره إلاّ علوّاً[8].

وعلى هذا الأساس عاش الإمام زين العابدين (عليه السلام) ورأى ما رأى وما جرى على اهل بيته (عليهم السلام) حتى وافته المنية بالمدينة سنة اثنتين وتسعين أو سنة ثلاث وتسعين أو أربع وتسعين أو تسع وتسعين أو مائة[9]. فسلام على سيد الساجدين الامام زين العابدين ورحمة الله وبركاته.

 

الهوامش:

[1] - المقنعة، الشيخ المفيد: 472.

[2] -  الدروس الشرعية في فقه الإمامية، الشهيد الأول: 2/12.

[3] - ينظر: تحرير الاحكام، العلامة الحلي: 3/123.

[4] - القاب الرسول وعترته: 49.

[5] - موسوعة شهادة المعصومين: 20.

[6] - الهداية الكبرى، الخصيبي: 215.

[7] ينظر: موسوعة طبقات الفقهاء: 265.

[8] - ينظر: بحار الانوار، المجلسي: 28/57.

[9] - ينظر: الطبقات الكبرى: 5/171.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك