الغدير تمام النعمة وبقاء الإسلام

333 2018-08-30


الغدير تمام النعمة وبقاء الإسلام

 

الباحث محمد حاكم الكريطي

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد أبن عبد الله وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين . وبعد

في السنة العاشرة للهجرة وبين مكة والمدينة في مكان يسمى غدير خم, وبُعيد رجوع النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من حجة الوداع وسط ركب من المسلمين عظيم, وبصحبة ظلاله أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أراد الرسول (صلى الله عليه وآله) من ذلك التجمع البشري الهائل أن يكون شاهدا حيا على تنصيبه لأمير المؤمنين بأمر من الله تبارك وتعالى, حيث هناك من تقدم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في طريق عودته وهناك من تأخر في الوصل إلى الغدير فأمر الرسول بإرجاع من تقدم وإلحاق من تأخر حتى يكونوا شاهدين لتلك البيعة, فنزل قوله تعالى على قلب رسوله الأمين (صلى الله عليه وآله) بنبرة تحذير, والتحذير ليس لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وإنما بظاهره له (صلى الله عليه وآله) , وإنما هو للأمة , ذلك على طريقة القرآن في خطاباته ( إياك أعني وأسمعي ياجارة ) ذلك لتدرك الأمة جيدا أهمية هذا الحدث الجليل , ومن يعرض عنه سوف يلقى أمرا فادحا, فنزل قوله تعالى ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ))[1].

 

نلاحظ شدة الخطاب في الآية المباركة حيث إن الله تعالى يبلغ رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله) بأنه إن لم يفعل فكأنه لم يبلغ بالرسالة الإسلامية من قبل, وفي هذا المعنى إشارة بينة الى أن علي (عليه السلام) هو الركن الوثيق للإسلام وبدون هذا الركن فلا إسلام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). إذن فإن ذلك اليوم يمثل منعطفا تاريخيا في حياة الأمة .

وقد إمتثل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهذا الأمر الإلهي حيث أخذ بيد أمير المؤمنين  (عليه السلام) وأمسك بها وأخذ يلوح بها في الهواء ويقول ذلك القول الخالد في ذاكرة الإسلام (من كنت مولاه فهذا علي مولاه  اللهم وال من والاه وانصر من نصره وأخذل من خذله)[2]، وبعد ذلك تدافع الناس الى ساحة أبي الحسن (عليه السلام) مبايعين له متلفظين بكلمات تدل على مكانة الإمام (عليه السلام) في صدور الناس, فهناك من قال له بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة [3].

وهذا متفق عليه في أغلب مصادر المسلمين, إلا  إن الركون الى الدنيا والطمع فيها حال بين عقول الناس وبين ما يشتهون فخلعوا  لباس العز بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل حين وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله), فالإمام  (عليه السلام ) مشغول بتجهيز رسول الله بعد وفاته, والأيدي التي بايعت بحضور رسول الله (صلى الله عليه وآله) انشغلت ثانية في السقيفة لتعيد البيعة ثانية, لكن هذه المرة معترضة على أمر الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ليأتوا ببدعة تعد أول البدع التي شرخت الإسلام وفرقت من تجمع حول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم الغدير. وحول هذا الحدث الذي هز كيان الامة ليقض مضجعها الي يوم الناس هذا، وقد قال أمير المؤمنين عن بيعته بعد نكثها: ((فَمَا رَاعَنِي إلاَّ وَالنَّاسُ إليَّ كَعُرْفِ الضَّبُعِ، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِب، حَتَّى لَقَدْ وُطِىءَ الحَسَنَانِ، وَشُقَّ عِطْفَايَ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلي كَرَبِيضَةِ الغَنَمِ))[4].

لكن تلك الأحداث الجسام التي عصفت بمناخ الأمة لتقلب أجواءها إلى فرق وجماعات, لم تمح دور علي (عليه السلام) الذي تأسس مع ظهور الإسلام مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهناك من سار حثيثا على هذا النهج المهيع طالبا لله فيه فهو الطريق الآمن الى الله تبارك وتعالى.

نعم ونحن اليوم نعيش الذكرى أي ذكرى بيعة الغدير وتنصيب أبي الحسن خليفة للأمة, لكن نحن لا نعدها ذكرى وحسب, بل يمكن استشعارها حدثا خارج نطاق الزمن فهي قائمة بحد ذاتها فوق إطار الزمان، إذن هي تعيش مع المسلمين في كل لحظة من لحظات حياتهم ومنها يستمد ميزان العيش الكريم في معرفة الباطل واتجاه بوصلة الحق التي لا تشير إلا إلى اليمين صوب علي بن أبي طالب (عليه السلام).

الهوامش: 


[1] - سورة المائدة : 67

[2] - الهداية,  للشيخ الصدوق : 152

[3] - ينظر رسائل الشريف المرتضى : 4/ 131

[4] - نهج البلاغة : 1/36

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك