فاطمة... بين القربى والاضطهاد

مقالات وبحوث

فاطمة... بين القربى والاضطهاد

فاطمة... بين القربى والاضطهاد

الباحث: عمار حسن الخزاعي

الحمدُ للهِ ربّ العالمين والصَّلَاة والسَّلَام على سيِّدِنَا مُحمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين، واللعن الدَّائم على أَعدائِهم ومُبغضِيهم وغاصِبي حقّهم إلى قيامِ يومِ الدِّين.

رحل رسول محمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الدُّنيا بعد أن عمَّ فضله الخافقين، وخصوصًا على العرب الذين أصبحوا دولةً قويَّة يهابها فرس الشاه وروم قيصر، وقبل ذلك كانوا متفرقين يسفكون دماءهم بأيديهم فيقتلون بعضهم بعضًا، إلى أنَّ منَّ الله تعالى عليهم برسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فصاروا به أمَّةً بعد أن كانوا أفرادًا، وفوق ذلك كُله أنَّه (صلى الله عليه وآله) هداهم إلى نور الحقِّ والإيمان فأنقذهم من عبادة الشرك والأوثان .

 

وإلى هنا فالعالم وخصوصًا العرب مدينون لمحمَّد (صلى الله عليه وآله) بالفضل على تبليغ الرسالة والهداية، وقد نطق القرآن الكريم مطالبًا أجر الرسالة بالنسبة لمحمَّد (صلى الله عليه وآله) فقال: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) [الشورى: 23]، وهذه سابقة لم يذكر القرآن شبيهًا بها لنبيٍّ أو رسول ما خلا الخاتم . فكان على الأمَّة أن ترعى قربى النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وتصل قرابته([1])، جزاء تأديته رسالة السَّماء إليهم وما تحمَّله من مصاعب إزاء ذلك، وقد ترك الرسول قرابةً عمدتها ابنته الوحيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، التي لم يُرَ أحدٌ ((أَشْبَهَ سَمْتًا وَلَا هَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ) فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا))([2]) منها (صلوات الله عليها)، فكانت مشيتها مشية رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)([3])، وكان أبوها يُجلُّها فإذا ((دخلت عليه قام إليها؛ فقبلها ورحب بها، كما كانت تصنع هي به (صلى الله عليه [آله] وسلم))([4])، وكنيتها أم أبيها([5])، وتُلقَّب بالزهراء([6])، ولم تكن هامشيَّة المحتوى في حياة أبيها (صلوات الله عليهما وآلهما)،؛ بل كانت لها الدرجة الرفيعة والمقام العالي، وقد حذَّرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من إغضاب فاطمة فضلًا عن أذيتها فقال: ((فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي))([7])، وقال: ((إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي))([8])، وقال: ((فاطمة بضعة مني؛ يقلقني ما يقلقها ويؤذيني ما يؤذيها، ويرضيني ما يرضيها ويبسطني ما يبسطها، ويقبضني ما يقبضها))([9]) ثمَّ إنَّها أخبرتهم (صلوات الله عليها) بأنَّها أسرع النَّاس لحوقًا بأبيها (صلَّى الله عليه وآله)، وقد أخبرت رأس السلطة أبي بكرٍ بذلك فقالت: ((أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللهِ أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ))([10])، فتوفِّيت بعده بثلاثة أشهرٍ أو ستة أشهر([11]) .

 

وعلى هذه المعطيات التي لا تعدو أن تكون ذرَّةً في سماء ذرى فاطمة (عليها السلام) كان من المنتظر من المسلمين أن يجتهدوا في التقرِّب من ابنة الرسول وإرضائها، بوصفها ابنته الوحيدة، التي لا تلبث إلَّا أيَّامًا وتلحق بأبيها، فكان الواجب أن يُسخِّر المسلون طاقاتهم في رضى فاطمة (عليها السلام) حتَّى إذ رحلت إلى أبيها فتخبره بجزاء المسلمين له بإكرامهم ابنته .

 

ولكن ممَّا يندى له الجبين، وتسقط عنده الإنسانيَّة بكلِّ درجاتها فضلًا عن القيم الخُلقيَّة أن تمضي فاطمة (عليها السلام) إلى أبيها مظلومةً مقهورةً معتدىً عليها، وهل هذا من المروءة؟! . لندع وصيَّة القرآن بالقربى، ووصايا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) جانبًا وكأنَّهم لم يوصوا بذلك، ونسأل هل من أدنى الإنسانيَّة أن يُجازى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بذلك؟! .

 

ولكنَّ القوم على الرغم من كلِّ ذلك هجموا على بيت الزهراء بالنار([12])، وصارت تصرخ وتقول: ((يا أبت، يا رسول الله، ماذا لقينا من بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة؟))([13])، فهجموا على دارها بالنار، وأغضبوها، وغصبوها ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهجرتهم ورحلت إلى ربِّها غاضبةً على من اعتدى عليها([14])، وغضبها غضب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وأذيتها أذيته، ((وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [التوبة: 61]، ((إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا)) [الأحزاب: 57] .

 

فهذه بضعة الرسول وعمدة قرابته قد اُضطهدت حتَّى رحلت إلى ربِّها من شدَّة ما حلَّ بها، وهي ما تزال في نعومة أضفارها وأوج شبابها ... السلام عليك يا سيدتي أبدًا ما بقيت ورحمة الله وبركاته...

الهوامش:

([1]) تفسير مجاهد، أبو الحجاج مجاهد بن جبر التابعي المكي القرشي المخزومي (المتوفى: 104هـ)، تحقيق: الدكتور محمد عبد السلام أبو النيل، دار الفكر الإسلامي الحديثة، مصر، الطبعة: الأولى، 1410 هـ - 1989 م: 1/589 ، تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، 1422 هـ - 2001 م: 20/495 .

([2]) السنن الكبرى، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: 303هـ)، حققه وخرج أحاديثه: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه: شعيب الأرناؤوط، قدم له: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001 م: 7/394 ، المعجم الكبير، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى: 360هـ)، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية – القاهرة، الطبعة: الثانية: 22/404

([3]) ينظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001 م: 44/9

([4]) فتح المنعم شرح صحيح مسلم، الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين، دار الشروق، الطبعة: الأولى (لدار الشروق)، 1423 هـ - 2002 م: 9/413

([5]) ينظر: المعجم الكبير: 22/397 .

([6]) ينظر: كوثَر المَعَاني الدَّرَارِي في كَشْفِ خَبَايا صَحِيحْ البُخَاري، محمَّد الخَضِر بن سيد عبد الله بن أحمد الجكني الشنقيطي (المتوفى: 1354هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: الأولى، 1415 هـ - 1995 م: 5/287

([7]) صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422هـ: 5/29 .

([8]) فضائل الصحابة، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)، تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة: الأولى، 1403 – 1983م: 2/755 ، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه .

([9]) فتح المنعم شرح صحيح مسلم: 9/413

([10]) مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001 م: 44/19

([11]) ينظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح، ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (المتوفى: 804هـ)، تحقيق: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، دار النوادر، دمشق – سوريا، الطبعة: الأولى، 1429 هـ - 2008 م: 20/318 .

([12]) جمل من أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البَلَاذُري (المتوفى: 279هـ)، تحقيق: سهيل زكار ورياض الزركلي، دار الفكر – بيروت، الطبعة: الأولى، 1417 هـ - 1996 م: 1/586 .

([13]) الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدنيوري (ت: 276هـ)، دار الكتب العلميَّة، بيروت ـ لبنان، (د ط)، د ت): 1/16 .

([14]) الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه صحيح البخاري: 4/79

المقالة السابقة المقالة التالية

Execution Time: 0.0927 Seconds