الحاجة إلى الإمام سُنّةٌ إلهيَّة

137 2018-11-27


الحاجة إلى الإمام سُنّةٌ إلهيَّة

بقلم الباحثة: خُطَى الخزاعي

الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّى الله على سيد المرسلين أبي القاسم محمَّد وعلى آله الطيبين الطاهرين...

خلق الله تبارك وتعالى الإنسان وسخَّر له الكون وما فيه لغايةٍ، وهي أن يصل إلى أعلى هرم التكامل الإنساني والرقي البشري بتحصيل العبادة المحضة لله تعالى، كما جاء في قوله جلَّ وعلا ((وما خَلَقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدون))  (الذاريات: 56)، وعند تحصيل تلك الغاية سيكون ذلك الإنسان مستأهلًا في الواقع لأن يُستخَلَف في الارض، وإنَّ الوصول إلى ذلك الهدف غير متاح له إذا خُلِّي ونفسه وتُرِكَ وقدراته ((أيحسبُ الإنسانُ أن يُترَك سُدى)) (القيامة: 36)، فلم يتركه تعالى وطرق الضلال؛ بل بيّن له السبيل الذي به يتوصل إلى الهدف، والذي هو عبارة عن سُنَّةٍ إلهيَّةٍ فطر عليها الخلق الأول، وجرت في الأمم مع الزمن غير قابلة للتحريف أو التبديل، ((فهل ينظرون سُنَّة الأولين فلن تجدَ لسنة الله تبديلًا ولن تجدَ لسنة الله تحويلًا)) (فاطر: 43)، وأنَّها مدركة في الجملة بالوجدان فلا تحتاج إلى تعمُّق بحث أو تكلف دليل؛ بل إنَّ العقل المجرد يدركها إجمالًا ويستسيغها لتتجلى حكمته تعالى في التناغم و الانسجام بين التكوين والتشريع، وهذه السُنَّة الإلهية  تحكي عن لابُدِّية وجود قيِّمٍ على الناس متقدِّمًا عليهم آخذاً بأيديهم إلى أمر الله تعالى، وكما تقدَّم بأنَّ هذه السُنَّة قد رافقت الخلق الأول؛ فقال تعالى مخبرًا الملائكة عن استخلاف آدم في الأرض ((وإذ قال ربك للملائكة إنَّي جاعلٌ في الأرض خليفة...)) (البقرة: 30) أي شخص منتخب من لدنه لأداء وظيفةٍ، وقوله تعالى مخاطبًا داوود: ((يا داوود إنَّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ...)) (ص: 26) وتتحدد ملامح هذه الوظيفة أكثر في قوله تعالى"...إنَّما أنت منذزٌ ولكل قومٍ هاد" (الرعد: 7) وقوله تعالى: ((وجعلناهم أئمةً يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وايتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين)) (الأنبياء: 73)، وقوله تعالى ((وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)) (السجدة: 24) وبملاحظة هذه الآيات نجد أنَّ القانون الإلهي يقتضي انتخاب شخص تتوفر فيه مؤهلات ومرجحات على نحو الحصر والاقتصار، وجعله قائدًا للأمة؛ ليقوم بوظيفة الهداية، وهذا ما تحقق في الأنبياء والرسل والأوصياء إلى زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعد استشهاده (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يترك مجتمعًا ملائكيًا مُحَصّنًا من الضلال؛ بل ترك مجتمعًا تجلت فيه التفاوتات من أكثر من جهة وجانب، وهذا أمر طبيعيٌّ لاختلاف قابليات أفراده وتباين أهدافهم، واستمرارًا لسنة الله في الخلق، ولحاجة هذا المجتمع وما بعده من المجتمعات إلى هادٍ مجعول من لدن الله تعالى يهدي الناس إلى الغرض الإلهي فيتعين وجود الامام  عقلًا وشرعًا، بحيث لو فرضنا أنَّ هذا القانون الإلهي قد اعتراه تبديل فالنتيجة ستكون إضلال الأُمة، وهذا يستلزم عبثًا (خلق الخلق ليضلهم)، وخرقًا في العدل (تفضيل أمة على أمة مع اتحاد الجميع في الحاجة إلى الهداية) وكل ذلك قبيح عقلًا ولايستقيم شرعًا، وتجلُّ الحكمة الإلهية عن ذلك، فالله تعالى ألطف من أن يخلقَ الخلق ويتركَهم للضلال وأعزُّ من أن يتركَ لمخلوقٍ عليه حجة، وعليه فقد أولت الرسالة الخاتمة هذا الأمر الاهتمام الأكبر قرآنًا كما في بعض ما متقدم، وسنةً كما في العديد من الأحاديث الشريفة، ومنها قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((إنَّي تارك فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلوا كتاب الله عزَّ وجلَّ وأهل بيتي عترتي، أيُّها الناس اسمعوا وقد بلّغتُ, إنّكم ستردون علي الحوض فأسألكم عما فعلتم في الثقلين، والثقلان: كتاب الله جل ذكره وأهل بيتي فلا تسبقوهم فتهلكوا، ولا  تُعَلِّموهم فإنَّهم أعلم منكم))([1])، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((في كل خلف من أمتي عدل من أهل بيتي ينفي عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين))([2])، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((إنَّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، ثمَّ قال كلهم من قريش))([3])، وأكثر من ذلك فقد شخصهم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأسمائهم حتى لا يبقى لمعتذر عذر ولا لذي ضلالة حجة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدما سُئل عن الأئمة بعده: ((بعدد حواريّ عيسى وأسباط موسى ونقباء بني اسرائيل، فقيل له فكم كانوا قال: اثنا عشر والأئمة بعدي اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، فإذا انقضى الحسين فابنه علي، فإذا انقضى علي فابنه محمد، فإذا انقضى محمد فابنه جعفر، فإذا انقضى جعفر فابنه موسى، فإذا انقضى موسى فابنه علي، فإذا انقضى علي فابنه محمد، فإذا انقضى محمد فابنه علي، فإذا انقضى علي فابنه الحسن، فإذا انقضى الحسن فابنه الحجة، ثم قال هم الأئمة بعدي وإن نهروا أُمناء معصومون نجباء أخيار))([4]).

وفي ضوء ما تقدّم نقول بهم (صلوات الله وسلامه عليهم) تتحقق الهداية ويضل من يطلبها من غير طريقهم، وبهم تكتمل مراحل الوصول إلى الغرض الإلهي، وإنَّ انكارهم يستلزم انكار الرسالة التي أوجبت اتباعهم والرجوع إلى الوراء باتِّجاه الجاهلية والموت على غير ملة الإسلام، وكما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ((من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهليةً))([5]).

 الهوامش:

[1])) الكافي: الكليني ،ج1,ص294.

[2])) بحار الأنوار: العلامة المجلسي ،ج37,ص27

[3])) مسلم ، ج2،ص191

[4])) كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر: علي بن محمد الخزار القمي ،ص17

[5])) هداية الامة لأحكام الأئمة (ع): الحر العاملي ج1،ص15

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك