أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بين الآهات والواهات (قراءة في نهج البلاغة - آهاته من عصيان أصحابه وعدم طاعتهم) (3):

203 2019-02-05


أمير المؤمنين علي (عليه السلام)  بين الآهات والواهات

(قراءة في نهج البلاغة - آهاته من عصيان أصحابه وعدم طاعتهم) (3):

 

عمَّار حسن الخزاعي:

 

من أشدِّ المصائب على القائد أن يُبتلى بعصيان أصحابه فيأمرهم فلا يمتثلون وينهاهم فلا ينتهون، وهنا تكمن أشدُّ الحسرات، وهذا الأمر مُنيَ به أكثر المصلحين من الأنبياء وأوصيائهم على مرِّ العصور، ولم يكن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بدعًا ممَّن سبقه، إذ ابتلى (صلوات الله عليه) بأناسٍ لا يعرفون لله تعالى إلًّا ولا ذمَّة، يتعاونون على أذيَّة إمامهم وقائدهم، وعلى الرغم من ذلك كان ينصحهم ويبذل الجهد الجهيد من أجل تبصرتهم بيان الحقيقة لهم، ولكنَّهم كانوا يزدادون معصيةً وتجبُّرا، ولا نقصد بذلك جميع الأصحاب، وإنَّما السواد الأعظم منهم إلَّا فئةً قليلةً آمنت بقراراته إيمانًا صادقًا وسلَّمت بها على أنَّها قرارات إلهيَّة صادرة من إمام معصوم، ولكن تبقى هذه الفئة محصورة بأشخاصٍ معدودين .

 

وقد صدرت من أمير المؤمنين علي (عليه السلام) آهات وواهات ترجمتها كلمات غاية في الألم والحسرة، وممَّا قال في ذلك: ((وَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالعِصْيَانِ وَالخذْلاَن، حَتَّى قَالَتْ قُريْشٌ: إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِب رَجُلٌ شُجَاعٌ، وَلْكِنْ لاَ عِلْمَ لَهُ بِالحَرْبِ. للهِ أَبُوهُمْ! وَهَلْ أَحدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً، وَأَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنِّي؟! لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَمَا بَلَغْتُ العِشْرِينَ، وها أناذا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ؛ وَلكِنْ لا رَأْيَ لَمِنْ لاَ يُطَاعُ))([1]) . فهو (عليه السلام) في هذا النص يكشف عن إفساد رأيه بسبب عصيان أصحابه وخذلانهم له ممَّا أدَّى بقراراته (عليه السلام) أن لا تنفَّذ ولا تأخذ طريقها إلى التطبيق بسبب عدم وجود الأشخاذ الذين يقومون بتلك القرارات وينفذونها .

 

إلى أن يصل به في بعض الأحيان أن يتضجَّر منهم فيطلق آهاته بسبب تخاذلهم عنه فيقول: ((أُفٍّ لَكُمْ! لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَكُمْ! أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الاْخِرَةِ عِوَضاً؟ وَبِالذُّلِّ مِنَ الْعِزِّ خَلَفاً؟ إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ، كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ فِي غَمْرَة، وَمِنَ الذُّهُولِ في سَكْرَة، يُرْتَجُ عَلَيْكُمْ حَوَارِي فَتَعْمَهُونَ، فَكَأَنَّ قُلُوبَكُمْ مَأْلُوسَةٌ، فَأَنْتُمْ لاَ تَعْقِلُونَ، مَا أَنْتُمْ لي بِثِقَة سَجِيسَ اللَّيَالي، وَمَاأَنْتُمْ بِرُكْن يُمَالُ بِكُمْ، وَلاَ زَوَافِرُ عِزٍّ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ. مَا أَنْتُمْ إِلاَّ كَإِبِل ضَلَّ رُعَاتُهَا، فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِب انْتَشَرَتْ مِن آخَرَ، لَبِئْسَ ـ لَعَمْرُ اللهِ ـ سُعْرُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ! تُكَادُونَ وَلاَ تَكِيدُونَ، وَتُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلاَ تَمْتَعِضُونَ لاَ يُنَامُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ في غَفْلَة سَاهُونَ، غُلِبَ وَاللهِ الْمُتَخَاذِلُونَ! وَأيْمُ اللهِ إِنِّي لاَظُنُّ بِكُمْ أنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى، وَاسْتَحَرَّ الْمَوْتُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِب انْفِرَاجَ الرَّأْسِ))([2]) .

 

وفي بعض الأحيان يصف حالهم ويتحسَّر على مواقفهم التي كانوا يعصونه بها فيقول: ((شُهُودٌ كَغُيَّاب، وَعَبِيدٌ كَأَرْبَاب! أَتْلُوا عَلَيْكُمُ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا، وَأَعِظُكُمْ بِالمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا، وَأَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا، تَرْجِعُونَ إِلى مَجَالِسِكُمْ، وَتَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ، أُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً، وَتَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً، كَظَهْرِ الْحَنِيَّةِ، عَجَزَ الْمُقَوِّمُ، وَأَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ، أَيُّهَا الشَّاهِدةُ أَبْدَانُهُمْ، الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، الْـمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، المُبْتَلَى بِهمْ أُمَرَاؤُهُمْ، صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللهَ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ، وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ، لَوَدِدْتُ وَاللهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَني بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ، فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةً مِنْكُمْ وَأَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ))([3])

 

وفي بعض الأحيان كان يسألهم عن السياسة التي تلائمهم حتَّى يصل معهم إلى طريقٍ سواء فيقول لهم: ((أَصْبَحْتُ وَاللهِ لا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ، وَلاَ أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ، وَلاَ أُوعِدُ العَدُوَّ بِكُم. مَا بَالُكُم؟ مَا دَوَاؤُكُمْ؟ مَا طِبُّكُمْ؟ القَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ، أَقَوْلاً بَغَيْرِ عِلْم! وَغَفْلَةً مِنْ غَيْرِ وَرَع! وَطَمَعاً في غَيْرِ حَقٍّ؟!))([4]) .

 

إلى أن تظهر لغة اليأس على لسان أمير المؤمنين (عليه السلام) من شدَّة ما أصابه من قومه فيقول لهم: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ بِهَا الاْنْبِيَاءُ أُمَمَهُمْ، وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الاْوصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا، وَحَدَوْتُكُمْ بالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا . لله أَنْتُمْ! أَتَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ، وَيُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ؟)) .

 

ثمَّ ينتهي إلى قولٍ يصف حاله مع قومه العاصين المتخاذلين الظالمين له فيقول: ((وَلَقَدْ أَصْبَحَتِ الاُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا، وَأَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي. اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا، وَأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، وَدَعَوْتُكُمْ سِرّاً وَجَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا، وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا))([5]) .

 

فيمثِّل أمير المؤمنين (عليه السلام) حالة العصيان التي مني بها جرَّاء تخاذل أصحابه عنه، وخذلانهم له بأنَّه القائد الذي صار يخاف من ظلم رعيَّته، وهذا المثل حلاف المشهور والمعهود من أنَّ الرعيَّة هي التي تخاف ظلم قادتها .

 

فعلي بن أبي طالبٍ (عليه السلام) قد تنفَّس آلامًا وآهاتٍ من قومه بسبب معصيتهم له وتنمُّرهم من قراراته، حتَّى صار معاوية يسطوا على الأراضي التي تحت سيطرة أمير المؤمنين (عليه السلام) فيقتل الناس ويُروِّع النساء والأطفال بسبب تفرق أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) عنه . وحالة العصيان التي قابل أهل الكوفة بها أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت إحدى المصادر الرئيسة للآهات والحسرات التي آلمت سيدي ومولاي أمير المؤمنين (عليه السلام) .

.............................يتبع.............................

 

الهوامش:

([1]) نهج البلاغة: 66

([2]) نهج البلاغة: 76 – 77 .

([3]) المصدر نفسه: 186 – 187 .

([4]) نهج البلاغة: 69 .

([5]) المصدر نفسه: 186 .

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك