عَلِــيٌّ أَوَّلُ مَــــنْ... (4)

148 2019-02-11


عَلِــيٌّ أَوَّلُ مَــــنْ...

الباحث: عماد طالب موسى

 

  الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الاْمُورِ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلاَمُ الظُّهُورِ، وَامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ، فَلاَ عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ، وَلاَ قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ، والصلاة والسلام على نبيه وآله أجمعين.

 

لا ينضب معين الفضل مادام مصدره عليًّا عليه السلام، كلمة غير ناقصة البرهان، وغنية عن البحث والبيان، فهو الشعاع الذي انبلج من جوف الكعبة نورا هاديا، بعد أن شقَّ جدارها وليدا زكيًّا، عندها امتزجت مراسيم ولادته بطقوس الاعجاز لغاية هي من سرِّ الله قبل أن يصدع نبيه بدينه.

 

كثيرة هي الروايات التي حفظتها بطون أمَّات الكتب التاريخية والسير تتحدث عن معجزة ولادة وليِّ الله أمير المؤمنين علي عليه السلام، وقد ذكرنا سابقا ملمحا من هذه الولادة؛ إذ كرَّمه الله سبحانه بأن يولد في بيته المطهر، وهنا نود ذكر ما فعله هذا الوليد المبارك بعد ولادته في الكعبة مباشرة ليتبين لنا أولِّية من أوائل فضائل ومناقب علي عليه السلام التي انفرد بها عن الأنام.

 

إذ تشير الروايات إلى أنَّ الإمام عليًّا عليه السلام أَوَّلُ مَــــنْ سجد على الأرض لله  سبحانه لحظة ولادته ونطق بالشهادتين، وأخبر بأنه وصي نبيه وأمير المؤمنين، ثم قرأ بعض الآيات القرآنية، فكان عليٌّ عليه السلام أولَّ من رتّل القرآن، وذلك عندما قربت ولادته أتت فاطمة إلى بيت الله وقالت: ربِّ إنِّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب مصدقة بكلام جدي إبراهيم فبحق الذي بنى هذا البيت، وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت عليَّ ولادتي، فانفتح البيت ودخلت فيه فإذا هي بحوراء ومريم وآسية وأم موسى وغيرهن فصنعن مثل ما صنعن برسول الله وقت ولادته، فلما ولد سجد على الأرض، وهو يقول : اشهد ان لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله واشهد ان عليا وصي محمد رسول الله بمحمد يختم الله النبوة وبي تتم الوصية وانا أمير المؤمنين، فسلم على النساء وسأل عن أحوالهن وأشرقت السماء بضيائه ، فخرج أبو طالب يقول أبشروا فقد ظهر ولي الله يختم به الوصيين وهو وصي نبي رب العالمين ، ثم أخذ عليًا فسلم علي عليه فسأله عن النسوة فذكر له([1]).

 

قال أبو طالب: ثم أخذه محمد بن عبد الله ابن أخي ووضع يده في يده وتكلم معه ، وسأله عن كل شيء ، فخاطب محمد صلى الله عليه وآله عليا بأسرار كانت بينهما([2]).

 

ومن أغرب ما يقال هنا: ما أشكل به بعض الناس على الروايات التي تذكر سجود علي عليه السلام في جوف الكعبة حين ولادته.

 

بحجة أنَّ الأصنام كانت في جوف الكعبة، فيكون سجود علي عليه السلام لها.

 

وقد رُدَّ هذا القول – على سذاجته- بلحاظ أمور نذكر منها:

 

أولاً: إن الله عز وجل لم يطلع هذا القائل الغريب الأطوار على غيبه هذا، ولا أخبره به نبي، ولا وصي. . وإذا كان السجود من هذا الطفل لا يكون إلا بتدخل إلهي ، يهدف إلى إظهار الكرامة له  عليه السلام، فالله لا يصنع الكرامة لعلي ، لكي يعظم الأصنام! بل ليكون تعظيمه له تبارك وتعالى دون سواه .

 

ثانياً: يضاف إلى ذلك: أن النية هي التي تعين من يكون السجود له، ولم يطلع الله أحد على تفصيل نية علي عليه السلام في سجوده آنئذ . .

 

ثالثاً: إن النص التاريخي يقول: إنه سجد لله، وشهد بالوحدانية ،

 

وبالرسالة([3]) .

 

وفي نص آخر : سجد على الأرض ، وهو يقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وأشهد أن علياً وصي محمد رسول الله ، وبمحمد ختم الله النبوة ، وبي تتم الوصية ، وأنا أمير المؤمنين([4]) ، وفي نص آخر: أنه عليه السلام لما ولد سجد لله على الأرض ، وحمده([5])، فلا معنى للاجتهاد في مقابل النص ، بادِّعاء : أنه عليه السلام قد سجد للأصنام ! !

 

رابعاً: إن قول هذا القائل حجة عليه، فهل يستجيز لنفسه أن يغير دينه، ويعبد الأصنام، والعياذ بالله، استناداً إلى وهمه هذا بأن المعجزة قد ظهرت له فيها؟ ! . .

 

وهل يمكن أن يظهر الله أمراً يوجب التغرير بعباده، ويوقعهم في الشبهة والباطل؟! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإن كل من يسمع منه هذا القول لا بد أن يعلن تكذيبه له، وسخريته به، ويعتقد أن الله لا يصنع للأصنام أي شيء يدل على علو شأنها، وبذلك يحقق توحيد الله، وتنزيهه تبارك وتعالى..

 

وأخيراً: فإنني لا أدري ماذا يقول هذا الرجل عن أهل نحلته، الذين ما زالوا يقولون عن علي عليه السلام إذا ذكروه: كرم الله وجهه، وحجتهم في ذلك أنه عليه السلام لم يسجد لصنم قط([6]).

 

فسلام عليك يا أمير المؤمنين يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيَّا.

الهوامش:

([1]) ينظر: مناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب: 2/ 22.

([2]) ينظر: بحار الأنوار: 35/ 15.  

([3]) ينظر: مستدرك سفينة البحار: 6/ 282، والصحيح من سيرة الإمام علي ع: 82.

([4]) ينظر: روضة الواعظين: 79، مناقب آل أبي طالب : 2/ 173، بحار الأنوار: 35/ 11و14و104، والدر النظيم: 232، والفضائل، ابن شاذان: 136.

([5]) ينظر: مناقب آل أبي طالب:3/ 38، وبحار الأنوار: 39/ 48.

([6]) ينظر: الصحيح من سيرة الإمام علي عليه السلام: 82.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك