من مناقب وأسرار سيِّد الوصيّين (عليه السَّلَام)

277 2019-02-17


من مناقب وأسرار سيِّد الوصيّين (عليه السَّلَام)

 

البَاحث: سَلَام مَكِّي خضَيّر الطَّائِي.

 

الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الخلق والمرسلين أبي القاسم مُحَمَّد بن عبد الله وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين واللعن الدَّائم على أعدائهم إلى قيامِ يوم الدِّين.

 

أمَّا بعد...

 

فإنَّ المتتبّع لأسرار ومناقب أمير المؤمنين عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام) يعجزه مقاربة حصرها أو الإلمام بها؛ فهي كثيرة لا تُعد ولا تحصى، وما وصفته الكتب لا يعدو شربة طائر من بحر عميق، ولكن نذكر بعضاً منها في مكرسنا هذا:

 

1- منقبة مولده (عليه السَّلَام) في بيت الله تعالى الحرام: فكان مولده (عليه السَّلَام) في هذا البيت المشرَّف والحرم المكّيّ المُطهَّر، وأَنَّه لمَّا ولد في البيت الحرام، خرَّ ساجداً ثم رفع رأسه الشَّريف فأذَّن، وأقام وشهد لله بالوحدانية وللنَّبي مُحَمَّد (صَلَّى الله عَلَيهِ وآلِهِ) بالرِّسالة ولنفسه (عليه السَّلَام) بالخلافة والولاية، ثم أشار بعد ذلك إلى رسول الله (صَلَّى الله عَلَيهِ وآلِهِ) فقال: (أقرأ يا رسول الله؟ فقال: نعم)[1]، فقرأ في بادئ الأمر صحف آدم (عليه السَّلَام) حتَّى لو حضر شيت لأقرَّ أَنَّه أعلم بها منه، ثم قرأ صحف نوح وصحف إبراهيم (عليهما السَّلَام) والتَّوراة والإنجيل، ثم بعد ذلك قرأ (عليه السَّلَام) الآية الأولى من سورة المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾[2]، فردَّ عليه النَّبيّ (صَلَّى الله عَلَيهِ وآلِهِ) قائلاً له: (نعم، قد أفلحوا إذ أنت إمامهم)[3].

 

ثم خاطبه بما يخاطب به الأنبياء الأوصياء، ثم سكت فقال له رسول الله (صَلَّى الله عَلَيهِ وآلِهِ): (عُد إلى طفولتك فامسك)[4].

 

فمنقبة موُلده (عليه السَّلَام) في هذا المكان، ونطقه بالشهادتين، وقراءته للصّحف وللقرآن، من المناقب والأسرار الخاصَّة به (عليه السَّلَام) ولم يشاركه فيها أحد.

 

2- ومن مناقبه أيضاً التي لا تحد وأسراره وفضائله التي لا تعد أنَّه (عليه السَّلَام) يعلم ما كان أي قبل مولده (عليه السَّلَام)، فكان يعلم ما يحدث وما يجري من أمور في الحياة وهو في عالم الأرحام، ومن الشواهد على ذلك: (أَنَّ راهب اليمامة الأثرم كان يبشر أبا طالب (رحمه الله) بقدوم الإمام عَلِيّ (عَلَيْهِ السَّلَام)، وعند قدومه يكون سيِّد أهل زمانه، ويكون للنَبِيّ مُحَمَّد (صلَّى الله عليه وآله) أخاً وعوناً وعضداً وناصراً وصهراً ووزيراً، وكان هذا الرَّاهب يوصي أبا طالب (رحمه الله) إذا وُلد الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) أن يقرِأه عنه السَّلَام، فلمَّا وُلد أمير المؤمنين عَلَيْهِ السَّلَام مرَّ أبو طالب (رحمه الله) إليه ليعلّمه فوجده قد مات هذا الرَّاهب، فرجع إلى أمير المؤمنين (عَلَيْهِ السَّلَام) فأخذه وقبَّله فسلَّم عليه أمير المؤمنين، وإنَّ الإمام (عليه السَّلَام) بمكانته عند الله تعالى كان على علمٍ ودراية تامَّة بمَا حدث بين أبيه أبي طالب وبين الرَّاهب[5]، فقال (عليه السَّلَام): (يا أبتِ، جئت من عند الرَّاهب الأثرم الَّذي كان يبشّرك بِيّ؟)، وقصَّ عليه قصَّة الرَّاهب، فقال له أبوه: صدقت يا وليّ الله)[6].

 

3- ومن مناقبه أيضاً (عليه السَّلَام) علم بما يكون، فكان يعلم ما يحدث وما يحلّ بالأمَّة في حياته وبعد استشهاده (عليه السَّلَام)، فقوله (عليه السَّلَام) لمروان بن الحكم يوم وقعة الجمل - التي كانت فتنة عظيمة فراح ضحيّتها الآلاف القتلى من الجيشين- أكبر دليل على ذلك، إذ أخبره (عليه السَّلَام): (خفت يا ابن الحكم أن ترى رأسك في هذه البقعة، كلَّا لا يكون ذلك كذلك حتَّى يكون من صلبك طواغيت يملكون هذه الأمَّة)[7]، فكان الإمام (عليه السَّلَام) يخبره بما سيحصل للأمَّة بسبب الطواغيت من ذرية مروان.

 

4- ومن الدليل على علمه (عليه السَّلَام) بما يكون: كلامه عندما مرَّ في كربلاء وكان متوجهاً إلى صفّين فقال: (صبراً أبا عبد الله بشاطئ الفرات)) ثم بكى، وقال: ((هذا والله مناخ القوم ومحط رحالهم)[8]، فإنَّه (عليه السَّلَام) كان عالماً بما سيحدث لآل بيت الرَّسول (صلّى الله عليه وآله) من قتلٍ وإراقة دماء وسَّبي وتشريد وغيره.

 

وفي الختام أن الحمد لله ربّ العالمين والصَّلَاة والسَّلَام على خاتم الأنبياء والمرسلين أبي القاسم مُحمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين، واللعن الدَّائم على أعدائهم إلى قيامِ يوم الدِّين.

الهوامش:

[1] المشارق، للشَّيخ رجب البرسي الحلِّي: 115.

[2] سورة المؤمنون، الآية (1).

[3] المشارق، للشَّيخ رجب البرسي الحلِّي: 115.

[4] المصدر نفسه.

[5] ينظر: مدينة المعاجز، السَّيِّد هاشم البحراني: 2/38.

[6] المصدر نفسه.

[7]مسند الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، للقبانجي: 8/370-371.

[8] المشارق، للشَّيخ رجب البرسي الحلِّيّ: 116.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك