ملازمة الإمام أمير المؤمنين للرسول (عليهما السلام) في غار حراء

790 2018-03-04


ملازمته لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في حراء

 

محمد حمزة الخفاجي

 

الحمد لله الناشر في الخلق فضله، والباسط فيهم بالجود يده، نحمده في جميع أموره، ونستعين به على رعاية حقوقه، ونشهد أن لا إله غيره وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بأمره صادعا، وبذكره ناطقا، فأدى أمينا ومضى رشيدا وخلف فينا راية الحق من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها زهق. ومن لزمها لحق...

 

وبعد...

 

تستمر الملازمة بين النبي والوصي (صلوات الله وسلامه عليهم) ما زال النبي على قيد الحياة فأمير المؤمنين (عليه السلام) لا يفارقه اطلاقاً ولعل ذلك بأمر من الله سبحانه.

 

فسبحانه وتعالى جعل أمير المؤمنين (عليه السلام) أشبه الخلق برسول الله وأقربهم إليه لذا جعل تربيته وتغذيته على يد سيد الخلق ليكون حجة الله على العباد من بعده.

 

فكان (صلوات الله وسلامه عليه) يصطحبه بحراء يقول الإمام (عليه السلام): (ولَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ، فَأَرَاه ولَا يَرَاه غَيْرِي).

 

 فلا يوجد انسان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) سوى الإمام (عليه السلام) وهذه درجة رفيعة ومنزلة خصيصة لم ينالها سواه.

 

وقد روي عن محمد بن إسحاق، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب (عليه السلام) .. فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا([1]).

 

وكان (عليه السلام) يصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وله) ويتعبد معه قال عبد الله بن نجي، سمعت علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول صليت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل أن يصلي معه أحد من الناس ثلاث سنين، وكان مما عهد إلي أن لا يبغضني مؤمن، ولا يحبني كافر أو منافق، والله ما كذبت ولا كذبت، ولا ضللت ولا ضل بي، ولا نسيت ما عهد إلي([2]).

 

وقد سئل قثم بن العباس كيف ورث علي (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله) دونكم ؟ فقال : (كان أولنا لحوقا به، وأكثرنا لصوقا به)([3]).

 

فالإمام (عليه السلام) أكثر الناس لسوقا برسول الله (صلى الله عليه وآله) وهذا ما زاده علما حتى صار باب علم رسول الله.

 

يقول(عليه السلام): (وكَانَ لَا يَمُرُّ بِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا سَأَلْتُه عَنْه وحَفِظْتُه)([4]).

 

أهم الأمور التي جعلت رسول الله يصطحبه في حراء:

 

تصديقه وإيمانه

 

إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أول مصدق له وأول مؤمن به فهو الصديق الأكبر والفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل بشهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

 

وحتى قريش شهدوا لعلي (عليه السلام) بتصديقه واتباعه إذ قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد معجزة الشجرة (وهَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلَّا مِثْلُ هَذَا) إشارة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).

 

فهذه الملازمة تركت أثرًا كبيرًا في نفس الإمام (عليه السلام) حتى صار أكثر الناس معرفة به فمنذ الصغر هو أقرب الناس الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) روحا وجسداً.

 

قال ابن أبي الحديد روى الفضل بن العباس قال: سألت أبي عن ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذكور أيهم كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) له أشد حبا فقال: علي بن أبي طالب فقلت سألتك عن بنيه، فقال: إنه كان أحب إليه من بنيه جميعا وأرأف ما رأيناه زايله يوما من الدهر منذ كان طفلا إلا أن يكون في سفر لخديجة، وما رأينا أبا أبر بابن منه بعلي ولا ابنا أطوع لأب من علي له([5]).

 

بصيرته:

 

كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يرى نور الوحي ويشم ريح النبوة ويرى الضوء ويسمع الصوت. قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (كان علي (عليه السلام)، يرى مع النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الضوء ويسمع الصوت).

 

فهذا اليقين بالله ورسوله جعله مميزاً ومقربا لذا أمر سبحانه رسوله باصطحابه الى حراء كي يتعلم علومه ويتأدب أدبه ويكتسب منه كل شيء وهذا ما حصل فقد صار أمير المؤمنين (عليه السلام) نفس محمد (صلى الله عليه وآله) بشهادة الله ورسوله ففي آية المباهلة بين سبحانه أن علي (عليه السلام) نفس النبي (صلى الله عليه وآله) وكل ذلك يعود الى نقاوة تلك الذات العلوية فهذه النقاوة جعلته يميز الحق ويرى ما لا يراه الناس.

 

وختام ما مر من مجاورته بحراء مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) دليل كافٍ على أنه خليفته من بعده فعلي (عليه السلام) يرى ويسمع كل شيء وهذا ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) له (إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وتَرَى مَا أَرَى  إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ولَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ)[6].

 

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين أبي القاسم محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.

الهوامش:

[1] - شرح ابن أبي الحديد، ج13، ص199.

 

[2] - أمالي الطوسي، ص261.

 

[3] أسد الغابة، ابن الأثير، ج4، ص197.

 

[4] - نهج البلاغة، رقم الخطبة: 210، ص328.

 

[5] - شرح ابن أبي الحديد، ج13، ص200.

 

[6] - نهج البلاغة، الخطبة: 192، ص301، صبحي الصالح.

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك