بيعة الغدير العيد الأكبر

397 2018-08-28


 

بيعة الغدير العيد الأكبر

 

الباحث: سَلَام مكِّي خُضَير الطَّائيّ.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيّنا محمد وآله الطَّيّبين الطَّاهرين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وبعد:

إن حادثة الغدير من الأحداث والمناسبات التاريخية المهمّة في تاريخ الأمة الإسلاميّة، بل تُعد من أهم المناسبات الدِّينيَّة التي حدثت في التاريخ الإسلامي، إذ بلّغ الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله) الأمَّة الإسلاميّة ما أمره به الله (جل وعلا) وهو أمر التبليغ بولاية الإمام عَلِيّ (عليه الصَّلَاة والسَّلَام) وبالخلافة من بعده (صلَّى الله عليه وآله).

ومضمونها: أنَّ الحادثة بعد أن حجَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حجّة الوداع وهي كانت آخِر حجّة للرَّسول (صلَّى الله عليه وآله) لبيت الله الحرام، وعند انتهاء مناسك الحج، رجع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) مع الآلاف من الحجيج ومن مختلف الأقطار الإسلاميّة، هبط عليه الوحيّ بقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلُّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وإن لمّ تَفعَل فَما بَلَّغتَ رِسالَتهُ وَاللهُ يَعصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾[1]، أي: بتبليغ الأمَّة بولاية الإمام عَلِيّ (عليه السلام).

واستمر الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله) بالمسير إلى أن وصل إلى منطقةٍ تسمى غدير خم، ولهذه المنطقة موقع جغرافي مهم، وهو وقوعها في مفترق طرق قوافل الحجيج، فمنها من يذهب إلى العراق ومنها من يذهب إلى مصر، ومنها من يذهب إلى بلاد الشام.

 فأمر وفود الحجيج أن يتوقفوا في هذا المكان والمكوث فيه، وأمر المتقدمين أن يرجعوا والمتأخرين أن يلتحقوا، وجعلهم ينتظرون تحت أشعة الشمس الحارقة، ومن شدة الحر قاموا بوضع بعض من العباءة التي يرتدونها تحت أقدامهم والبعض الآخر فوق رؤوسهم من شدة حرارة الشمس، وقاموا بالتَّساؤل عن الأمر المهم الذي أوقفهم الرسول(صلَّى الله عليه وآله) من أجله؛ ليبلغهم إيَّاه.

وبعد أن نودي بهم لصلاة الظُّهر صلَّى بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقاموا حجَّاج بيت الله تعالى بصنع مضلَّة له (صلَّى الله عليه وآله) تقيهِ من شدة حرارة الشّمس، فصعد على المنبر الذي صنعوه له (صلَّى الله عليه وآله) من أقتاب الإبل، وخطب بهم رافعاً صوته ليسمعوا تبليغه (صلَّى الله عليه وآله) إيَّاهم بأمر الخلافة من بعده لوصيِّه وابن عمِّه الإمام عَلِيّ (عليه السلام)[2]، إذ أنَّه قال:

(الحمد لله ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا الذي لا هادي لمن أضل، ولا مضل لمن هدى، وأشهد أن لا إله إلا هو، وأن مُحمَّداً عبده ورسوله.

أما بعد: أيها الناس إني أوشك أن أدعى فأجيب، وأنّيّ مسؤول وأنتم مسؤولون فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أَنَّك قد بلغت ونصحت وجهدت، فجزاك الله خيراً. قال (صلَّى الله عليه وآله): ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن مُحمَّداً عبده ورسوله، وأن جنّته حق، وأنّ السَّاعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك.

 قال (صلَّى الله عليه وآله): اللَّهم اشهد، ثم قال (صلَّى الله عليه وآله): وإِنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبدا.

فنادى مناد: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وما الثقلان؟ قال (صلَّى الله عليه وآله): كتاب الله سبب طرف بيد الله، وطرف بأيديكم؛ فتمسكوا به، والآخر عترتي، وإن اللطيف الخبير نبأني إنَّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا.

وهنا اخذ بيد عَلِيّ (عليه السَّلام) ورفعها، حتى رؤي بياض إبطيهما، وعرفه الناس أجمعون ثم قال: أيها النَّاس من أولى النَّاس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؛ فقال (صلَّى الله عليه وآله): (إنَّ الله مولايّ وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم؛ فمن كنت مولاه فَعَلِيّ مولَاه، اللَّهم والِ من والَاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأحب من أحبّه، وابغض من بغضه، وأدر الحق معه حيث دار)[3].

فتمت البيعة للإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) من قبل الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله)، وقام الرَّسول (صلى الله عليه وآله) بتأدية الأمانة التي في عاتقه للأمة بتولية الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)؛ فأصبح وليَّ كل مؤمن ومؤمنة، وأصبح المسلمين ملزمين بولايته (عليه السَّلَام)، وعدم التَّخلّف عنه وخذلانه أو بغضه أو كرهه، فمن تمسك بولايته وولاية الأئمّة من ولده بعده ينجه الله تعالى من الهلاك ومن تخلف عن ولايته وولاية الأئمة من ولده (عليهم الصَّلَاة والسَّلَام) هلك وصدّ عن السَّبيل.

فبعد أن بلغهم (صلَّى الله عليه وآله) أمر الولاية، نزل من المنبر؛ فقام حسَّان بن ثابت شاعر الدعوة الإسلامية، وقال قصيدته المشهورة في هذه المناسبة العطرة، والتي قال فيها:

يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول مناديا.

يقول: فمن مولاكم ووليّكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التَّعاميا.

إلهك مولانا وأنت ولينا * ولم ترَ منَّا في الولاية عاصيا.

فقال له: قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا.

فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا.

هناك دعا: اللَّهم والِ وليّه * وكن للَّذي عادى عليَّاً معاديا[4].

وفي الختام نسأل الله ونتضرع إليه تعالى بحق مُحمَّد نبيّه (صلَّى الله عليه وآله)، وبحق عَلِيّ وليّه (عليه السَّلَام)، وبحق فاطمة وبنيها والسّرّ المستودع فيها (عليهم السَّلَام) أن يجعلنا الله تعالى وسائر المسلمين من الموالين لرَّسوله ولوصيّه والأئمّة من ولدهِ (عليهم والسَّلَام)، وأن يغفر لنا ويرحمنا إنّه سميعٌ مُجيب.

الهوامش:


[1] المائدة: 67.

[2] ينظر: الأئمة الإثني عشر للسبحاني: 38.

[3] الأئمة الإثني عشر للسّبحاني: 38.

[4] المناظرات في الإمامة لعبد الله الحسن:557-558.

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك