السلطان والحياة

مقالات وبحوث

السلطان والحياة

السلطان والحياة

الباحث: محمد حمزة الخفاجي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد:

الأواصر بين السلطان والحياة أواصر طبيعية وجدت مع الزمن وتنامت مع الحراك التاريخي لذا صار هذان الأمران المتلازمان لا ينفك أحداهما عن الآخر، فنجاح الأول أو هلاكه يعتمد على نجاح الآخر أو فشله.

قال (عليه السلام): (إِذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ)[1].

وظاهر السبب في تغير الزمان إن السلطان بيده زمام الأمور فهو صاحب الأمر والنهي، ويكون الناس تبعا له طوعاً أو كرهاً، فإن رأيت الزمان في عدل وأمان واطمئنان فقل إن سلطان هذا الزمان انسان عادل، وإن رأيت العكس فأعلم أن سلطان هذا الزمان جائر وقاطع للسبيل.

وقد شهد المسلمون في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) تغيراً جذرياً ملحوظاً، فبعد مقتل عثمان بن عفان تولى أمير المؤمنين (عليه السلام) الحكم، فظهر الحق وساد العدل وتغير الحال ورجعت الأحكام الصحيحة التي كانت في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وصار تقسيم بيت المال بالسوية.

وقد شهد لحكم الإمام أقرب الصحابة الذين عاصروا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآزروه وساندوه بالدعوة وشهدوا أحكامه وعدله، ومنهم أبو أيوب الأنصاري صاحب منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله).

قال أبو أيوب الأنصاري (رضوان الله عليه): (عباد اللّه أليس إنّما عهدكم بالجور والعدوان أمس، وقد شمل العباد وشاع في الإسلام فذو حقّ محروم، ومشتوم عرضه، ومضروب ظهره، وملطوم وجهه، وموطوء بطنه، وملقى بالعراء، فلمّا جاءكم أمير المؤمنين (عليه السلام) صدع بالحق، ونشر بالعدل، وعمل بالكتاب، فاشكروا نعمة اللّه عليكم ولا تتولّوا مجرمين، ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون)[2].

فبعدما كان الناس مظلومين محرومين في ذلك الزمان فهذا مغصوب حقه وهذا مشتوم عرضه وهذا ملطوم وجهه لا يستطيع أن يدافع عن نفسه, ومنهم من نبذ في العراء كأبي ذر (رضوان الله تعالى عليه) حتى مات, فكل ذلك الجور قد شهده الناس، فلما وصلت الأمر إلى الإمام (عليه السلام)  اختلف الأمر وتغير الزمان من حال الى حال.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (زين الله السماء بثلاثة: الشمس والقمر والكواكب وزين الأرض بثلاثة العلماء والمطر والسلطان العادل)[3].

الامانة والطاعة نظام الأمة:

قال الإمام (عليه السلام): (والأَمَانَةَ نِظَاماً لِلأُمَّةِ، والطَّاعَةَ تَعْظِيماً لِلإِمَامَةِ)[4].

ويقصد بالأمانة أمانة السلطان والرعية فكلاهما يجب أن يكون مؤتمنًا وصائنًا للحدود والحرمات ومؤديًّا لأمانته بالشكل الصحيح.

فإذا كان الحاكم أميناً والراعي مطيعاً كان في ذلك نظام الأمة وإذا صار العكس ساءت الأحوال وتدهورت الحياة.

فمن خطبة له (عليه السلام) قال فيها: (وإِنِّي واللَّه لأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ، بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ وتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، وبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي الْحَقِّ وطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي الْبَاطِلِ، وبِأَدَائِهِمُ الأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وخِيَانَتِكُمْ، وبِصَلَاحِهِمْ فِي بِلَادِهِمْ وفَسَادِكُمْ)[5].

رغم فساد معاوية وظلمه كان مطاع من قبل الرعية ذلك لأن معاوية كان يساير الناس على الباطل وكان يسرف في مال المسلمين لما تقتضيه مصلحته الخاصة، ويغزو شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) ويقتل النساء والأطفال ويسلب أموالهم ثم يوزّع تلك الأموال على الشاميين وهذا ما جعل بلادهم معمورة.

وكان الإمام (عليه السلام) كثيراً ما يحث أصحابه بغزو العدو قبل ان تتاح لهم الفرصة فيبادروا هم أولاً وقد حدث ذلك فقد أرسل معاوية جيشا بقيادة بسر بن أرطاة الى المدينة فنهبوا وسلبوا وقتلوا شيعة علي( عليه السلام ).

وقد بين الإمام أسباب النصر والهزيمة بقوله (عليه السلام):

أولاً: اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ.

ثانياً: وبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي الْحَقِّ، وطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي الْبَاطِلِ.

ثالثاً: وبِأَدَائِهِمُ الأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وخِيَانَتِكُمْ، وبِصَلَاحِهِمْ فِي بِلَادِهِمْ وفَسَادِكُمْ.

فالاجتماع مهما كان على حق أو باطل فهو عامل مساعد في النصر، والتفرقة تسبب الضعف والهزيمة.

وإن معصية المعصوم سبب أساسي في فشل المجتمعات وخراب بلادهم، وكم من قرية أهلكها الله بسبب معصيتهم لأنبيائهم، قال تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا}[6].

والخلاصة:

إن تغير السلطان يعني تغير الزمان وقد يكون هذا التغير إيجابي أو سلبي فإذا اختار الناس سلطانا جائراً أخذ بهم الى الهاوية وصار زمانهم زمان جور وظلم وضياع، ومن لم يرتضِ بسلطان عدل سلط الله عليه شر السلاطين.

أما إذا وقع الاختيار على الرجل المناسب صارت حياتهم صحيحة يسودها الخير، فنجد أن أغلب الشعوب التي عاشت برفاهية سبب ذلك أنهم اختاروا الأصلح فكان زمانهم مزدهرًا.

الهوامش:

[1] - نهج البلاغة، الوصية: 31.

[2] - الأمالي، الشيخ المفيد، ص149.

[3] - شرح رسالة الحقوق، الإمام زين العابدين، ص383.

[4] - الحكمة: 252.

[5] - نهج البلاغة، الخطبة: 25، ص67.

[6] - الفرقان: 37.

المقالة السابقة المقالة التالية

Execution Time: 0.0786 Seconds