انتحال المقامات الإلهية ومحنة الدين

مقالات وبحوث

انتحال المقامات الإلهية ومحنة الدين

انتحال المقامات الإلهية ومحنة الدين

الباحثة: خطى الخزاعي

 

ما إن أهبط الله تعالى آدم الى الأرض حتى أعلن عن بداية رحلة الصراع الصريح بين آدم وذريته من جهة وإبليس واتباعه من جهة أُخرى بقوله تعالى: قال اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (طه:123) مزوّدًا كلا طرفي الصراع بالأدوات المطلوبة؛ اقتضاءً لحكمته تعالى في ابتلاء الخلق وتمحيصهم، وإنَّ نتيجة هذا الصراع  ستكون منوطة بمقدار استثمار كل طرف لهذه الأدوات وتوظيفها على النحو الأكمل، أمّا إبليس فقد أعلن  ابتداءً عن مستوى عالٍ من الطموح بإغواء النسبة الأكبر من بني آدم حاكيًا بذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: قالَ فبعزَّتكَ لأُغويَنَّهم أجمعين  إلّا عبادَك منهم المُخلَصين (ص :39،40)  وفي موضع آخر قال تعالى : قال ربِّ بما أغويتني لأُزينَنَّ لهم في الأرض ولأُغويَنَّهم أجمعين 0إلّا عبادَك منهم المخلَصين (الحجر :39،40) متحديًا بني آدم وملوّحًا بأهمية الأدوات التي يمتلكها أولًا ومشعِرًا بأنَّه على دراية بنقاط التأثير في عدوه ثانيًا، مستفيدًا بعد ذلك من تجربته مع آدم في الجنة، وأمّا طرف النزاع الآخر كذلك زُوّدوا بمنظومة محكمة كفيلة بحسم الصراع لصالحهم إذا ما طُبِّقت على النحو المطلوب، ألا وهي منظومة الدين، التي أشار إليها تبارك وتعالى في الآية الأُولى المتقدّمة بجزئها الثاني  بقوله تعالى:  ... فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى Oوقوله تعالى: P...إنَّه ليس له سلطانٌ على الذينَ آمنوا وعلى ربِّهم يتوكلون (النحل:99)، ((والإيمان يمثّل الأمر الواقعي الباطني للدين))([1])، وعليه أصبح الدين العقبة الكبرى التي تحول دون وصول إبليس إلى ما أُمهِل من أجله، ولمّا كان نزول الدين الى الخلق أمر محتَّم ومفروغ منه وليس له التدخل في أصل نزول الدين، عاد ليوظّف أدواته وأجناده للحيلولة دون تقبل الخلق للدين أو وصوله إليهم  صحيحًا، فلم يتوانَ أو يغفل للحظة واحدة من لحظات الإمهال الإلهي عن استهداف الدين ومن يمثل الدين، فنوّع في أساليب المواجهات فتارة التكذيب والصدامات الميدانية، وأُخرى الصراعات الفكرية والأخطر فيها ما تمكن  إبليس عن طريقها من التسلل بأجناده من البشر إلى دائرة الدين والتمركز في المراكز الأهم فيها، ومن ثمَّ تسويق الأفكار المنحرفة للناس بإطار ديني، وهذا ما يصطلح عليه بالانتحال ويُعَرف الانتحال ( لغةً ) ((هو ادِّعاء الشيء لنفسه وهو لغيره)) ([2])، والشيء المنتحَل قد يكون مقامًا أو صفةً أو منجزًا أو...الخ، ولعلّ انتحال المقام الإلهي من  أخطر الانتحالات  أثرٌ؛ لما ترتّب عليه من نتائج خطيرة شكّلت محنة الدين على مرِّ العصور، وهو يعدُّ من أقوى المواجهات الإبليسية، وكان كفيلًا بتأليف نسخة مزيفة عن الدين وتقديمها للأجيال على أنَّها مراد الله من الخلق، وما هي في الواقع إلّا تحريفات إبليسية أفرزت مذاهب مبتدعَة وعقائد فاسدة وجعلت من الدين محرقة لأهل الدين، ومن يستقرأ التاريخ يُزوَّده بقراءة وافية عن حروب الإبادة الطاحنة التي عصفت بين أهل الملة الواحدة على اختلاف الرسالات، وما هذا إلَا نتاجٌ لادعاءات المنتحلين وأباطيل المحرّفين، ولقد نال الإسلام  ما نال الديانات السابقة من ادعاءات للمقامات الإلهية .

 

وممّا تقدّم تبيَّن أنَّ ادعاء المقام الإلهي هو أعظم الادعاءات وقعًا وأخطرها أثرًا، ولقد بلغت هذه الآثار ذروتها في الإسلام بالنسبة للديانات السابقة، والسبب أنَّ بالإسلام صُحِّحَت الأديان وخُتِمت، وهو الدين المرضي عند الله ولا يقبل من العبد ابتغاء ما سواه؛ فالإحداث فيه بالتحريف والتزوير تصدر أعلى مراتب الخطورة في النتائج، ومن الشواهد الروائية التي أبرزت هذه الظاهرة الخطيرة في الإسلام ما جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مبينًا حال  بعض صحابته من بعده؛ إذ قال: ((إنِّي على الحوض أنظر من يرد علي منكم، وليقطعن برجال دوني، فأقول: يا ربِّ أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، إنهم ما زالوا يرجعون على أعقابهم القهقري)) ([3])، وعن الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها) موثّقة انتحالهم الأمر منفذين بذلك دعوة الشيطان ((وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفًا بكم فألفاكم لدعوته مستجيبين وللعزة فيه ملاحظين، ثمَّ استنهضكم  فوجدكم خفافًا، وأحمشكم فوجدكم غضابًا، فوسمتم غير إبلكم ووردتم غير مشربكم... تستجيبون لهتاف الشيطان الغوي واطفاء أنوار الدين الجلي)) ([4])، وعن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) قوله: ((أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وإنَّه لَيعلم أنَّ محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدرُ عنِّي السيل، ولا يرقى اليَّ الطير)) ([5])

 

وإنَّ انتحال المقامات وادعاء الوظائف في الظاهر قابله ممارسة أهل الدين الواقعيين لوظائفهم بحسب ما أتيح لهم من ظروف محافظين بذلك على جوهر الدين ونسخته الإلهية المرضية،  محاولين انتشال الخلق من مزالق الضلال الى ربوع الهدى  أُولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ...  (الأنعام: 90)، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ((في كل خلف من أمتي عدل من أهل بيتي ينفي عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين)) ([6])، وعن الإمام الصادق (صلوات الله وسلامه عليه)  قوله واصفًا بعض الأصحاب الذين نالوا شرف التبليغ عنهم (صلوات الله عليهم): ((... بهم يكشف كل بدعة ينفون عن الدين انتحال المبطلين وتأويل الغالين..)) ([7])

 

ويبقى الإنسان وسعيه في تمييز أهل الهداية وتوليهم وانتهاج سبيلهم الموصلة لله تعالى، ونبذ المنتحلين أولياء الشيطان، والابتعاد عن سبلهم، حاسمًا الصراع مع إبليس لصالحه ويكون من مصاديق قول الحق تعالى: P ... فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى .

 

 

[1] ينظر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 2/573

[2] المعجم الوسيط: 2/907

[3] الأمالي، الشيخ المفيد: 37

[4] الاحتجاج، الطبرسي: 137  

[5] شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1/151

[6] بحار الأنوار، العلامة المجلسي: 37/ 27

[7] تذكرة الأعيان: 13

 

 

 

 

 

المقالة السابقة المقالة التالية

Execution Time: 0.1091 Seconds