محمد وعلي أبوا هذه الأمة

95 2018-11-08


محمد وعلي أبوا هذه الأمة

 

الباحث: عماد طالب موسى

 

الْحَمْدُ للهِ غَيْرَ مَقْنُوط مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلاَ مَخْلُوٍّ مِنْ نِعْمَتِهِ، وَلاَ مَأْيُوس مِنْ مَغْفِرَتِهِ، وَلاَ مُسْتَنْكَف عَنْ عِبَادَتِهِ، الَّذِي لاَ تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ، وَلاَ تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ([1]).

أما بعد:

فقد أرسل الله سبحانه رسوله الخاتم ((عَلَى حِينِ فَتْرَة([2]) مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَة مِنَ الأمَمِ، وَاعْتِزَام مِنَ الْفِتَنِ، وَانْتَشَار مِنَ الأمُورِ، وَتَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ، والدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ))([3])، بعد أن (( أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلَى مُحَمَّد(صلى الله عليه وآله)، فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً، وَأَعَزِّ الأرُومَاتِ([4]) مَغْرِساً، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ، وَانْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ))([5])،فكان (( شَهِيداً، وَبَشِيراً، وَنَذِيراً، خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلاً، وَأَنْجَبَهَا كَهْلاً))([6]) حتى (( بَعَثَهُ وَالنَّاسُ ضُلاَّلٌ فِي حَيْرَة، وَحَاطِبُونَ فِي فِتْنَة، قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الأهْوَاءُ، وَاسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ، وَاسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيِّةُ الْجَهْلاَءُ، حَيَارَى فِي زَلْزَال مَنَ الأمْرِ، وَبَلاَء مِنَ الْجَهْلِ، فَبَالَغَ(صلى الله عليه وآله) فِي النَّصِيحَةِ، وَمَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَدَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ))([7]).

 

وقد استخلص وصيا من نفسه، وأعده لإتمام المسيرة، وحمل مشعل الدين فكان أمير المؤمنين عليه السلام الذي يقول: (( وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ: وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وليدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ([8])، وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْل، وَلاَ خَطْلَةً فِي فِعْل))([9])، فكانا أبوي هذه الأمة وسدني الدين، بهم يجزي الله سبحانه وبهم يعاقب، ولزاما على الناس أن يعرفوا حقوقهما وفضلهما عليهم؛ لأن ((من عرف حق أبويه الأفضلين : محمد وعلي و أطاعهما حق طاعته قيل له : تبحبح  في أي الجنان شئت))([10])، بل يصل الحال في جواز معصية الأبوين النسبيين في قبال إرضاء أبوي الدين (محمد وعلي) وهذا ما صرحت به سيدة نساء العالمين إذ قالت عليها السلام لبعض النساء : ((أرضي أبوي دينك محمدا وعليا بسخط أبوي نسبك ولا ترضي أبوي نسبك بسخط أبوي دينك . فان أبوي نسبك إن سخطا أرضاهما محمد وعلي عليهما السلام بثواب جزء من ألف ألف جزء من ساعة من طاعاتهما .

وإن أبوي دينك [ محمدا وعليا ] إن سخطا لم يقدر أبوا نسبك أن يرضياهما

لان ثواب طاعات أهل الدنيا كلهم لا يفي بسخطهما))([11]).

 

ومن يدقق النظر في هذين النصين الروائيين الشريفين يجدهما يقومان على بعدين متلازمة يمكن بيانها بالآتي:

1- البعد النظري/ المعرفي، يمثله القول: ( من عرف حق أبويه الأفضلين).

2-  البعد التطبيقي/ العملي، يمثله القول: من( أطاعهما حق الطاعة).

والبعدان يؤسسان لمضمرات خطابية فحواها: أن معرفة حقائق الدين بصورة عامة، وحق أهل البيت عليهم السلام بصورة خاصة لا تكفي وحدها للفوز بالجنة؛ ما لم تقرن هذه المعرفة بالتطبيق الفعلي لشرائع الدين عامة، والالتزام وطاعة أولياء الدين الذين فرض الله سبحانه طاعتهم خاصة، ولفظة( حق) قد تكررت في المعرفة والطاعة ولربما تشير إلى ضرورة الإخلاص في الطاعة والصبر عليها، وإذا تبين ذلك فإنه تأسيس لأمر عقائدي يؤكد على أن الإمام علي عليه السلام والأئمة المعصومين عليهم السلام من ذريته هم امتداد توقيفي لخط النبوة بعد خاتمها صلى الله عليه وآله، ويكشف أيضا عن الهدف المضمر وهو نجاة المسلم من النار إذا ما اتبع المنهج الذي رسمته الروايتان وهو معرفة وطاعة الأبوين الدينيين محمد وعلي حق الطاعة.

 وسيرة هذان الأبوان تحتفل بها المدونات التاريخية والدينية وهي تصدح بعصمتهما وتمثيلهما مصداق الدين الإسلامي بكل حيثياته وجزئياته، فلا يوجد أحق منهما شخصا جديرا بالاتباع؛ لأنهما الدين الإسلامي علما وعملا.

 

الهوامش: 

([1]) نهج البلاغة، تحقيق: د. صبحي الصالح: 71.

([2]) الفتر من (فَتَرَ) ويدل على (( عَلَى ضَعْفٍ فِي الشَّيْ))المقاييس: 4/ 470، و (( والفَتْرَةُ: مَا بَيْنَ كُلِّ نَبِيَّيْنِ، وَفِي الصِّحَاحِ: مَا بَيْنَ كُلِّ رَسُولَيْنِ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، مَنْ الزَّمَانِ الَّذِي انْقَطَعَتْ فِيهِ الرِّسَالَةُ))، لسان العرب، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ)، دار صادر – بيروت، ط3، 1414 هـ: 5/ 44.

([3]) نهج البلاغة، تحقيق: د. صبحي الصالح: 121.

([4]) الأرومات من ( أرم) وهو (( نَضْدُ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ فِي ارْتِفَاعٍ ثُمَّ يَكُونُ الْقِيَاسُ فِي أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ وَاحِدًا. وَيَتَفَرَّعُ مِنْهُ فَرْعٌ وَاحِدٌ، هُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ كُلِّهِ، أَكْلًا وَغَيْرَهُ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَرْمَ مُلْتَقَى قَبَائِلِ الرَّأْسِ)) ، وهنا معناها الأصل. المقاييس: 1/ 85.

([5]) نهج البلاغة، تحقيق: د. صبحي الصالح: 139.

([6]) نهج البلاغة، تحقيق: د. صبحي الصالح: 151.

([7]) نهج البلاغة، تحقيق: د. صبحي الصالح: 140.

([8]) (عرف): ((الْعَيْنُ وَالرَّاءُ وَالْفَاءُ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ، يَدُلُّ أَحَدُهُمَا عَلَى تَتَابُعِ الشَّيْءِ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَالْآخَرُ عَلَى السُّكُونِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَمِنَ الْبَابِ الْعَرْفُ، وَهِيَ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ. وَهِيَ الْقِيَاسُ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَسْكُنُ إِلَيْهَا. يُقَالُ: مَا أَطْيَبَ عَرْفَهُ. قَالَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -: {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد: 6] ، أَيْ طَيَّبَهَا))، معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1399هـ - :1979 : 4/ 281.

([9]) نهج البلاغة، تحقيق: د. صبحي الصالح: 300.

([10]) بحار الأنوار، العلامة المجلسي(1111ه)، حقيق : محمد الباقر البهبودي ، عبد الرحيم الرباني الشيرازي، مؤسسة الوفاء - بيروت – لبنان، ط2، 1403 - 1983 م: 23/ 260.

([11]) فسير الإمام العسكري ( ع )، المنسوب إلى الإمام العسكري ( ع )(ت: 260ه)، تحقيق : مدرسة الإمام المهدي (ع)، مدرسة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف - قم المقدسة، مطبعة مهر - قم المقدسة، ط1، ربيع الأول 1409: 334.

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك