الإمام علي (عليه السلام) مؤسس النحو العربي

188 2018-01-21


الإمام علي (عليه السلام) مؤسس النحو العربي

 

تعد اللغة آلة التواصل بين الناس، وبها تحفظ الحضارات والتراث، وهي أداة لنقل الأفكار والعلوم والتاريخ من جيل إلى جيل بما فيه حفظ التجارب والإنجازات ذات النقلات البناءة التي أحدثت طفرات نوعية في الحياة الإنسانية عامة، وهذا الوصف يطول كل لغة بصورة عامة، ومنها اللغة العربية بصورة خاصة لما تميزت به من خصائص وسمات ذاتية وقدسية جعلتها الأفضل من بين اللغات، وأما سماتها الذاتية فتتمثل بلياقتها وقدرتها على التعبير ورسم المشاهد والاحداث بحروفها البراقة، وتراكيبها التي تقدم المعنى بدقة وأساليبها البيانية الراقية، فلا يعتاص مشهد على متكلمها من دون إبانة، ولا يتعذر عليه معنى من دون توضيح، وسر استمرارها نابع من القرآن الكريم لما قدم من سياسة لغوية ناجعة فتحت أفق الاستعمال اللغوي ومنحته لياقة أوسع وأبلغ مما هي عليه في العصور السابقة له.

 ولذلك نجد الخطوات الأولى لحفظ هذه اللغة قد انطلقت من أقرب الناس للقرآن وأعلمهم به ولا أعلم منهم بها فكان أول من رسم للناس النحو العربي هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأخذ عنه أبو الأسود الدؤلي الذي كان يرجع للإمام عليه السلام بكل مسألة يشك في موضعها أو بابها، حتى أصبح من علماء العربية. وقال يونس بن حبيب: إنما أسّس النحو لأبي الأسود علي بن أبي طالب. وحدّث الهيثم بن عدي أن أبا الأسود أول باب ألفه من النحو باب التعجب؛ وذلك أن بنتاً [له] تقوده [في] بيته، وقد كُفَّ بصره إذ ضربتها الرمضاء فأحرقتها فقالت: يا أبَهْ، ما أشد الحر، بكسر الراء، فظنَّ أنها تريد: أي الحر أشد. فقال: يا بُنَية، وغرةُ القيظ، ومعمعان الصيف. فلما تلفَّت إليها بكت وقالت: يا أبَهْ، ما أشد الحر، ففهم عنها وقال: يا بنية، قولي: ما أشد الحر، وعمل باب التعجب([1]).

قال أبو الطيب : كان أبو الأسود الدؤلي أعلم الناس بالعربية ومما يدل على صحة هذا ما حدثنا به محمد بن عبد الواحد الزاهد: أخبرنا أبو عمرو بن الطُّوسي عن أبيه عن اللَّحيانيِّ في كتاب النوادر قال حدثنا الأصمعي قال: كان غلام يطيف بأبي الأسود الدؤلي يتعلَّم منه النحو، فقال له يوما: ما فعل أبوك قال: أخذته حمى فضخته فضخا، وطبخته طبخا، وفنخته فنخا، فتركته فرخا.

قال: فما فعلت امرأةُ أبيك التي كانت تشارُّه وتجارُّه وتضاره وتزاره وتهاره وتماره قال: طلقها وتزوج غيرها، فحظيت عنده ورضيت وبظيت.

قال: وما بظيت يا بنَ أخي قال: حرف من العربية لم يبلغْك، قال: لا خيرَ لك فيما لم يبلغْني منها([2])

وقد كانت حروف المعجم عارية من النقاط التي تفرق بين الحروف التي تشتمل على نقط، وإنما كانت كذلك لاعتماد العرب آنذاك على سليقتهم العربية القوية حتى يميز المتكلم منهم بين هذه الحروف، وبتقادم العصر واختلاط العرب بغيرهم وما وصلت إليه الدولة الإسلامية من فتوحات شغلت دول كثيرة دخل اللحن في اللغة لذلك وضعوا (التنقيط) هو الذي يستدل به على حروف المعجم، ويفصل به بينهما، فتعرف به الباء من التاء، ويقال: أول من نقط المصاحف ووضع العربية أبو الأسود الدبلي، من تلقين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام([3]).

ولم يقف جهد الإمام علي عليه السلام عند هذا وحسب، وإنما أخذ يُستشهد بقوله على ضبط اللغة وتقوية القاعدة؛ لأنه( عليه السلام) أفصح من تكلم بها بعد الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)، ومن ذلك ما جاء لبيان الفرق بين ( السَّداد و السِّداد)، فالسَّداد (بالفتح) القصدُ في الدين، والسِّداد (بالكسر) ما يتبلغ به الإنسان، وكل شيء سددت به خللا فهو سِداد (بالكسر)([4]) .

وقال الإمام أبو محمد بن علي البصري الحريري صاحب المقامات: أخبرنا أبو علي التُّسْتَري عن القاضي أبي القاسم عن عبد العزيز بن محمد بن أبي أحمد الحسن ابن سعيد العَسْكري اللغوي عن أبيه عن إبراهيم بن صاعد عن محمد بن ناصح الأهوازي حدثني النَّضْر بن شُمَيْل قال كنت أدخل على المأمون في سمره، فدخلت ذات ليلة و أجرينا ذكر الحديث فأجرى هو ذكر النساء فقال: حدثنا هشيم عن الشعبي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سَداد من عوز) فأورده بفتح السن، فقلت: صدق يا أمير المؤمنين هشيم، حدثنا عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن علي بن أبي طالب( عليه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سِداد من عوز) قال: وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا، فقال: كيف قلت سِداد قلت: لإن السَّداد هنا لحن، قال: أو تلحنني قلت: إنما لحَنَ هشيم - وكان لحانا - فتبع أميرُ المؤمنين لفظه.

قال فما الفرق بينهما قلت: السَّداد (بالفتح) القَصْد في الدين والسبيل.

والسِّداد (بالكسر) البُلغة وكل ما سددت به شيئا فهو سِداد([5]).

ومن الاقوال التي يستشهد بها على صحة القاعدة النحوية أو اطرادها ما ينسب له عليه السلام :

أفاطم هاء السيف غير مذمم    فلست برعديد ولا بلئم([6]).

موضع الشاهد ( هاء) فالوجه في أن تكون على قول من كسر الهمزة للمؤنث( هاءِ)، لأن القرآن بهذه اللغة نزل، ولغته أفصح اللغات.

وقد يجوز أن يكون على قول من قال للمرأة: هائي، بوزن خافي، إلا أنه حذف الياء من اللفظ، لسكونها وسكون السين الأولى من السيف، كما تقول في اللفظ: خافي السيف.

وكذلك من قال: إخوتك قاموا، فالواو في قاموا علم الضمير والجمع، وإذا قيل قاموا إخوتك، فالواو علم الجمع مجردة من معنى الاسمية البتة، وكذلك القول في نون الجمع، نحو قولك الهندات قمن وقمن الهندات، فكما جاز لجميع هذه الأشياء أن تكون في بعض المواضع دالة على معنى الاسمية والحرفية، ثم تخلع عنها دلال الاسمية في بعض المواضع، فكذلك لا ينكر أن تكون الهاء والياء في نحو ضربه وضربني يدلان على معنى الاسمية والحرفية. فإذا قلت "إياه، وإياي" تجردتا من معنى الاسمية، وخلصتا لدلالة الحرفية.

ونحو من الكاف في ذلك وهنالك وإياك، الكاف في قولك للرجل: هاك، وللمرأة هاك، فالكاف هنا حرف لمعنى الخطاب. ويدلك على ذلك أن معنى هاك زيدا، أي خذ زيدا، فزيد هو منصوب هذا الفعل، ولا يتعدى إلى مفعولين، وأن زيدا في نحو هذا لا يجوز أن يكون بدلا من الكاف لو كانت اسما، وهو أن ضمير المخاطب لا يبدل منه، فيقال: ضربتك زيدا، على أن زيدا بدل من الكاف.

ويدلك على أن الكاف في هاك وهاك حرف لا اسم، إيقاعهم موقعها ما لا يكون اسما على وجه، وذلك قولك: هاء وهاء، وعلى هذا قوله عز وجل: {هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 19]  وعلى هذا قالوا للاثنين: هاؤما، وللنساء هاؤن، كما يقال: هاك، وهاك، وهاكما، وهاكم، وهاكن([7]).

وفيها لغة ثالثة، وهي أن تترك الهمزة مفتوحة على كل حال، وتلحقها كافا مفتوحة للمذكر، ومكسورة للمؤنث، فتقول: هاءك، وهاءكما، وهاءكم، وهاءك، وهاءكما، وهاءكن.

وفيها لغة رابعة، وهي قولك للرجل: هأ، بوزن هع، وللمرأة هائي، بوزن هاعي، وللاثنين وللاثنتين هاءا، بوزن هاعا، وللمذكرين هاءوا، بوزن هاعوا، وللنساء هأن، بوزن هعن.

فهذه اللغة تتصرف تصرف خف، وخافي، وخافا، وخافوا، وخفن، وهي لغة مع ما ذكرناه قليلة.

وفيه لغة خامسة، وهي أن تقول للواحد، والواحدة، والتثنية، والجمع "ها" على صورة واحدة، والذي ينبغي أن يحمل هذا عليه، أن تجعله بمنزلة صه، ومه، ورويدا، وإيه، وما أشبه ذلك مما يصلح للواحد والواحدة فما فوقهما، وغير هذه المواطن كثير ممن وقف فيها أمير المؤمنين مجسدا اللغة الفصحى بأبهى ما تكون كيف وهو سيد البلغاء.

وبذلك فقد استقر للتاريخ أن أهل البيت عليهم السلام هم عماد الدين وينابيع العلم فيه تأصلت جذوره ونبتت عروقه، لا يوجد علم إلا ومنهم منبعه على الرغم من مجابهة جهال الأمة وأعداء الإسلام لهم بالحيلة والمكر والظلم لتنحيتهم عن مراتبهم التي رتبهم الله سبحانه عليها، ومع هذا لم تنقطع رحمتهم عن الأمة ومن مصاديق تلك الرحمة تأطيرهم اللغة العربية بأسس حفظها وصيانتها بما فيه حفظ القرآن وصحة تلاوته.

 الهوامش:

([1] ) ينظر: الإبانة في اللغة العربية، سَلَمة بن مُسْلِم العَوْتبي الصُحاري، تحقيق: د. عبد الكريم خليفة - د. نصرت عبد الرحمن - د. صلاح جرار - د. محمد حسن عواد - د. جاسر أبو صفية، وزارة التراث القومي والثقافة - مسقط - سلطنة عمان، ط1، 1420 هـ - 1999 م: 1/ 21- 22.

([2] ) ينظر: المزهر في علوم اللغة وأنواعها، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)، تحقيق: فؤاد علي منصور، دار الكتب العلمية - بيروت، ط1، 1418هـ 1998م:2/341.

([3] ) ينظر: حكمة الإشراق إلى كتاب الآفاق (بذيله: تتمة في نقد الآثار المرفوعة عن الخط والكتابة.)، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: 1205هـ)

عني بإخراجه: محمد طلحة بلال،  مطبعة المدني - القاهرة، ط1، 1411هـ - 1990م:1/61.

([4] ) ينظر: شرح الفصيح،  ابن هشام اللخمي (المتوفى 577 هـ)، تحقيق: د. مهدي عبيد جاسم، ط1، 1409 هـ - 1988 م: 1/ 135.

([5] ) ينظر: المزهر في علوم اللغة وأنواعها،  عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)

تحقيق: فؤاد علي منصور،  دار الكتب العلمية - بيروت، ط1، 1418هـ 1998م:2/254.

([6] ) أنشده ابن دريد في جمهرته :1/ 193، وصاحب سر صناعة الإعراب، أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)،  دار الكتب العلمية بيروت-لبنان، ط1، 1421هـ- 2000م: 1/ 323.

 

([7] ) ينظر: إعراب القرآن المنسوب للزجاج،  علي بن الحسين بن علي، أبو الحسن نور الدين جامع العلوم الأَصْفهاني الباقولي (المتوفى: نحو 543هـ)، تحقيق ودراسة: إبراهيم الإبياري، دارالكتاب المصري - القاهرة ودارالكتب اللبنانية - بيروت - القاهرة / بيروت، ط4،  1420 هـ: 1/ 157.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك