أثر المقام في توجيه الدلالة ( كلمة حق يراد بها باطل) أنموذجا.

640 2018-03-03


أثر المقام في توجيه الدلالة ( كلمة حق يراد بها باطل) أنموذجا.

 

الباحث: عماد طالب الخزاعي

 

الْحَمْدُ للهِ وَإنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ، وَالْحَدَثِ الْجَلِيلِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاّ اللهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِلهٌ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ(صلى الله عليه وآله).

 

أما بعد:

 

فقد فطن اللغويون العرب القدامى - وتابعهم المحدثون- إلى أن اللغة ظاهرة اجتماعية وأنها شديدة الارتباط بثقافة الشعب الذي يتكلمها, وأن هذه الثقافة في جملتها يمكن تحليلها بواسطة حصر أنواع المواقف الاجتماعية المختلفة التي يسمون كلًّا منها (مقامًا), فمقام الفخر غير مقام المدح, وهما يختلفان عن مقام الدعاء أو الاستعطاف أو التمني أو الهجاء, وهلم جرا. وكان من رأي البلاغيين أن (لكل مقام مقالًا) لأن صورة (المقال) speech event تختلف في نظر البلاغيين بحسب المقام context of sotuation, وما إذا كان يتطلب هذه الكلمة أو تلك, وهذا الأسلوب أو ذاك من أساليب الحقيقة أو المجاز, والإخبار أو الاستفهام([1]),  ومن عباراتهم الشهيرة في هذا الصدد قولهم: ( لكل كلمة مع صاحبتها مقام)([2]), وبهذا المعنى يصبح للعلم الجديد الذي يأتي من امتزاج النحو والمعاني (مضون)؛ لأنه يصبح شديد الارتباط بمعاني الجمل ومواطن استعمالها([3]) وما يناط بكلِّ جملة منها من (معنًى). ولقد كان البلاغيون عند اعترافهم بفكرة (المقام) متقدمين ألف سنة تقريبًا على زمانهم؛ لأن الاعتراف بفكرتي (المقام) و(المقال) بوصفهما أساسين متميزين من أسس تحليل المعنى يعد الآن في الغرب من الكشوف التي جاءت نتيجة لمغامرات العقل المعاصر في دراسة اللغة([4]).

 

وفكرة (المقام) هذه هي المركز الذي يدور حول المنهج التداولي ويؤطر تحليلاته في الوقت الحاضر, وهو الأساس الذي ينبني عليه الشق أو الوجه الاجتماعي من وجوه المعنى الثلاثة, وهو الوجه الذي تتمثَّل فيه العلاقات والأحداث والظروف الاجتماعية التي تسود ساعة أداء (المقال)([5]). ومن المعروف أن إجلاء المعنى على المستوى الوظيفي (الصوتي والصرفي والنحوي), وعلى المستوى المعجمي فوق ذلك لا يعطينا إلّا (معنى المقال) أو (المعنى الحرفي) كما يسميه النقاد, أو معنى ظاهر النص كما يسميه الأصوليون, وهو - مع الاعتذار الشديد للظاهرية- معنى فارغ تمامًا من محتواه الاجتماعي والتاريخي منعزل تمامًا عن كل ما يحيط بالنص من القرائن الحالية, وهي القرائن ذات الفائدة الكبرى في تحديد المعنى([6]).

 

 وهذا ما أشار إليه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فاهمًا تمامًا لكل هذه الحقائق حين ردَّ على هتاف الخوارج (لا حكم إلّا الله) بقوله عليه السلام: (كلمة حق يراد بها باطل), فعبارة (لا حكم إلا لله) عبارة دينية لها وقعها في نفوس المسلمين بمعناها البنيوي - المعنى الحرفي- وهي تشير ضمنا إلى أن المخاطب بها لربما خرج عن مسلمة دينية ما، لذلك نرى جواب الإمام علي عليه السلام كان دقيقا في تفنيد ظاهرها الحرفي بمعية المقام الذي قيلت فيه وبذلك كانت الأبعاد التداولية حاضرة في ذهن المتكلم؛ إذ أقر قيمة الشعار الديني الذي رفعه الخوارج في شطر جواب الإمام عليه السلام الأول عندما قال: ( كلمة حق) وهنا تعامل معه بنيويا، وفنده مقاميا بشطر جوابه عليه السلام الثاني بقوله: (يراد بها باطل) استنادا الى المواقف السياقية التي واكبت استعمال (لا حكم الا لله) وكأن الإمام عليه السلام يعني أن الناس ربما قنعوا بالمعنى الحرفي لهذا الهتاف أي: بمعنى (ظاهر النص) فصدَّقوا أن الخوارج أصحاب قضية تستحق أن يدافع الناس عنها, وربما غفل الناس عن المقام الحقيقي الذي ينبغي لهذه الجملة أن تفهم في ضوئه, وهو مقام محاولة إلزام الحجة سياسيًّا بهتاف ديني،  فالمقام في هذا الهتاف من السياسة والمقال من الدين، وكان ينبغي للناس أن يفهموا المقال في ضوء المقام.

الهوامش:

([1] ) ينظر: اللغة العربية معناها ومبناها،  تمام حسان عمر،  عالم الكتب، ط5،  1427هـ-2006م: 337.

 

([2] ) الإيضاح في علوم البلاغة، محمد بن عبد الرحمن بن عمر، أبو المعالي، جلال الدين القزويني الشافعي، المعروف بخطيب دمشق (المتوفى: 739هـ)، تحقيق: محمد عبد المنعم خفاجي،  دار الجيل - بيروت، ط2: 1/ 43.

 

([3] ) ينظر: آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر، د محمود أحمد نحلة، مكتبة الآداب، القاهرة، ط1، 2002: 9، و التداولية عند العلماء العرب - دراسة تداولية لظاهرة الأفعال الكلامية في التراث اللساني العربي، د. مسعود صحراوي، دار الطليعة، بيروت، ط 1، 2005م: 15هامش المؤلف.

 

([4] ) ينظر: اللغة العربية معناها ومبناها: 337.

 

([5] ) ينظر: بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة،  عبد المتعال الصعيدي (المتوفى: 1391هـ)،  مكتبة الآداب ، ط17، 1426هـ-2005م: 1/ 25، و خصائص التراكيب دارسة تحليلية لمسائل علم المعاني،  محمد محمد أبو موسى، مكتبة وهبة ،  ط7: 73.

 

([6] ) ينظر: اللغة العربية معناها ومبناها: 338.

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك